في حي الوعر: هنا تجد الشيء ونقيضه

” تسليط الضوء على واقع المشاريع المتنوعة في حي الوعر المحاصر من وجهة نظر الكاتب الذي عمل لسنوات في أكثر من واحد منها “

%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b9%d8%b1-%d9%87%d9%86%d8%a7-%d8%aa%d8%ac%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d9%88%d9%86%d9%82%d9%8a%d8%b6%d9%87
<

علينا أن لا ننسى أن هذه المشروعات باتت الخيط الوحيد الذي يربط حي الوعر بالعالم الخارجي بعد أن اختفى اسم “الوعر” حتى من نشرات الأخبار.

div>لا تتعدى مساحة حي الوعر الحمصي المحاصر من قوات النظام منذ خمس سنوات الثلاث كيلو متر مربع، ولا يتجاوز عدد سكانه بين مدني ومسلح الثمانين ألفا، لكن عشرات المشروعات تعلن يومياً عن نفسها بتمويل من منظمات محلية أو دولية.
وكلما امتدت فترة الحصار زاد عدد المشروعات المفتتحة حتى بات الأهالي يتداولون على سبيل الدعابة مقولة: “لكل مواطن هنا مشروع”.
التعليم اولاً
يتساءل المرء حين ينظر من بعيد إلى كم المشاريع الهائلة المفتتحة في الحي، والتي تتعدد بين مشاريع تعليمية ومشاريع دعم نفسي، ومشاريع دعوية دينية، ومشاريع خاصة بالأطفال الأيتام، ومشاريع تجمع بين ميادين مختلفة، كثرت جميعها بشكل ملحوظ جدا في السنة الأخيرة رغم الظروف المحيطة بالحي ورغم الحصار المتواصل والتعرض المستمر للقصف من قبل قوات النظام.
ففي المجال التعليمي مثلا، نجد معاهد متعددة مفتتحة لطلاب الشهادات الإعدادية والثانوية والصفوف الانتقالية. ويلاحظ بأن الجهة الداعمة التي تقف وراءها تختلف دوما، فيمكن أن تكون إما أشخاصا يقيمون في الخارج أو منظمات دولية يتم التواصل معهم عبر وسطاء على النت، وقد كان أبرزها المشاريع التعليمية التي تمولها منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة والتي خف زخمها مذ تعاقدت منظمة اليونيسيف مع وزارة التربية لدعم القطاع التعليمي. لكن ذلك لم يحل دون افتتاح مشاريع تعليمية أخرى خارجية التمويل والداعمين، والتي وجدت إقبالا جيدا بحسب كثير من الأهالي، حيث المعاناة المستمرة في المدارس الحكومية، على اعتبار أن مدارس الدولة مازالت تتابع عملها في الحي ويدخل الكادر التدريسي إليها من خارج الحي عن طريق الحاجز الذي يتحكم بدخول وخروج الموظفين والطلاب.
تلك المدارس الحكومية لا يتناسب عددها مع عدد أطفال الحي وتشهد ارتفاعا كثيفا في أعداد الطلاب، فيصل عددهم في الصف الواحد أحيانا إلى خمسين أو ستين طالباً. كما تعاني المدراس من تغيب المعلمات غير المقيمات في الحي، اللواتي يخشين في كثير من الأحيان الدخول إليه حين يسمعن عن حصول قصف وغيره. ويمكن تلمس الآثار المترتبة عن ذلك عند طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية خصوصا.
لكن التجربة التعليمية الأبرز في الحي، والتي خدّمت الكثير من الطلاب المنقطعين الذين لا يستطيعون العبور من حواجز النظام خشية اعتقالهم بسبب كونهم مطلوبين بتهمة المعارضة، أو مطلوبين للخدمة العسكرية، هي تجربة الثانوية التي افتتحت مؤخرا، وهي بدعم الائتلاف السوري المعارض. وقد سبقها منذ نحو العام والنصف، افتتاح المعاهد التعليمية بإشراف ودعم الائتلاف، والتي شهدت إقبالا كبيرا في بداياتها، وتبع ذلك تراجع ملحوظ  في عدد الطلاب المداومين مؤخرا لأسباب شتى، لا يتسع المكان لذكرها.
مشروعات مختلطة
كان ما ذكرناه سابقا يتعلق بالصعيد التعليمي، أما على صعيد مشاريع الدعم النفسي والتي تستهدف شرائح الأطفال والمراهقين والكبار، فقد كانت باكورة هذه المشاريع،  المشروع الذي يشرف عليه ويموله اليونيسيف، والذي استمر لسنتين متتاليتين بالحي، لنجد أن مشاريع أخرى شبيهة بدأت تنتشر باطراد متسارع تحت مسميات مختلفة، وبدعم خارجي مختلف، وبتوجهات مختلفة أيضا.
ويحصل أن تجد أن بعض المشاريع “المختلطة” تجمع في أهدافها بين التعليم والدعم النفسي والدعوة الدينية أيضا، وهو القسم الذي سنعرج عليه أخيرا. إذ توسعت المشاريع الدعوية (الشرعية) بسبب ارتفاع الميول الإسلامية في الحي بشكل واضح جدا، وهي تستهدف فئة الأطفال والمراهقين والشبان والنساء أيضاً.
ويتباين حجم ونوع التمويل في هذا النوع من المشروعات تبعاً لتباين التوجهات الفكرية-الدينية التي تقف خلفها. بل إن أحدها أغلق لأسباب لا علاقة لها البتة بالصراع الدائر في سوريا بين قوات المعارضة والنظام. وكان ذلك على خلفية إشادة العاملين في المشروع بالرئيس المصري المعتقل محمد مرسي وتهجمهم على الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وهو ما لم يرق للجهة الداعمة.
افتقاد الكوادر
من الملاحظ أن المشاريع الكثيرة المتوزعة على كامل الحي، تراعي كثافته السكانية، حيث تتركز المشاريع في الشوارع الأكثر اكتظاظا والأكثر مركزية.
ومن البديهي أن هذه المشاريع تحتاج بالضرورة كوادر مهيأة للعمل بها، وهو ما يفتقره الحي بشكل ملحوظ بسبب نزوح الآلاف من السكان الذين كان يبلغ عددهم أكثر من نصف مليون نسمة قبل الحصار، أجبر معظمهم على مغادرة منازله.
هذا الفقر بالكوادر أثر تباعاً على مستوى المشاريع المنجزة. على سبيل المثال، تم افتتاح مشروع للأطفال الأيتام بالحي، والذي يخدّم حوالي سبعين طفلا يتيما، بتمويل جيد، لكن كثيرا من المشتغلين فيه كانوا من حملة شهادة البكالوريا أو التاسع فقط، وأحيانا لا يتجاوز عمر المعلمة 19 عاما.
ويمكن القياس على ذلك في مشاريع أخرى حيث تضطر إدارة المشروع للتعامل مع الأمر الواقع، وقد يكون صاحب/بة الخبرة لا يتجاوز العشرين عاما، وبالكاد معه شهادة البكالوريا.
وطبعا لا يمكننا تعميم ذلك،  إذ يشهد أحد المشاريع وجود كوادر مؤهلة فيه، وذلك يعود للمعاشات العالية التي يتقاضاها الكادر والتي تجذب أفضل المؤهلين في الوعر. وهناك بعض المشاريع التي عمدت إلى رفع مستوى كادرها عن طريق دورات مكثفة، مثل مشروع الدعم النفسي الذي تشرف عليه اليونيسيف، والذي كانت تُجرى فيه دورات كثيرة في بداية كل مشروع لتأهيل المنشطين والمنشطات ما دعا بعض المشاريع للعمل بنفس الفكرة واللجوء إلى دورات عن طريق النت.
ولا يفوتنا أن نذكر، ولو بشكل هامشي، الجامعات التي يدرس بها الطلبة عن طريق النت، والتي فتحت المجال لها مؤسسة جديدة التشكيل بالوعر لتأهيل كوادر تغطي النقص الهائل الذي يعانيه الحي. وقد حذت حذوها جهات أخرى فتحت المجال للشبان للتسجيل في جامعات عن طريق النت، مثل جامعة ابن رشد. تلك الجامعات التي تحتاج إلى تكلفة عالية، تتكفل جهات خارجية معينة بدفعها بهدف رفع المستوى التعليمي للكوادر.
الخيط الوحيد
ذكرنا لمحة عامة عن المشاريع القائمة في الحي، دون الخوض في جميع مشكلاتها التي تحتاج إلى تفاصيل وتوضيحات كثيرة. لكن المعاينة المباشرة لها لسنوات خمس، تدعونا للقول إن أن هذه المشاريع تمخضت، خصوصا خلال السنتين الأخيرتين، عن الشيء ونقيضه في آن واحد.
فنجد الكثير منها يحمل الشعارات الملونة والمضمون الفارغ، أو يحملون لواء الدين  لتحقيق مكاسب مادية محضة. كما أن كثرة المشاريع التي تستهدف الأطفال جعلت منهم أحيانا سلعة سهلة للتكسب الرخيص.
ويحدث أن التمويل الضخم لبعض المشروعات قد يسقط كل المنفعة التي قد تجلبها معها، مع لهاث البعض لتحقيق مآرب شخصية بحتة على حساب المنفعة العامة، إضافة إلى أن كثرة هذه المشاريع، أفرزت طبقة من المستفيدين الذين قد يدرجهم البعض تحت مسمى “تجار الحرب”، أولئك الذين منحتهم الحرب امتيازات قد تبخل الأيام العادية بها عليهم. ولا يمكننا أن ننسى أن المحسوبيات قد تسللت إلى كثير من هذه المشاريع، ما جعل الأمر يبدو أنه تكرار رديء لنظام نعرفه جيدا، لكنه بنسخة محدثة، مع أهداف وشعارات متباينة.
والأخطر أن بعض المشاريع الدعوية تعاني من إشكاليات عميقة، تعود أحيانا للقائمين عليها أو المشتغلين بها، بسبب ضعف التمكن من العلوم الشرعية أو سطوة الفكر الضيق في بعض الأحيان وتشوش الرؤى أحيانا أخرى.
فضلا عن هذا، فإن ضعف الكوادر أدى إلى انخفاض سوية الأداء في كثير من المشاريع، رغم التمويل الضخم، ولو أن الجامعات عن طريق النت أو الدورات يمكن أن ترمم جزئيا بعض الثغرات الكبيرة في هذا المجال.
رغم كل ما ذكر، لا يمكننا أن نغفل أن هذا الحراك في الوعر له إيجابياته، ففي النهاية هي تجربة جديدة بعد قحط طويل من شأنها أن تفرز الغث والسمين. وهي فرصة لبعض الأشخاص للصعود على حساب الغير لتحقيق مصلحة فردية، لكنها فرصة لأشخاص آخرين للصعود مع الغير وتحقيق مصلحة جماعية.
كما أن العديد من المشاريع هذه أسهمت فعلا، في حل مشكلات أسر فقيرة وأطفال ومراهقين تسربوا من المدارس، وأسهمت أيضا في توظيف مئات الشبان والشابات ورفع مستوى خبراتهم، ومعالجة المئات من المصابين والمرضى جراء القصف والحصار.
وأخيراً علينا أن لا ننسى أن هذه المشروعات باتت الخيط الوحيد الذي يربط حي الوعر بالعالم الخارجي بعد أن اختفى اسم “الوعر” حتى من نشرات الأخبار.