في كيليس التركية: الأكاديميون السوريون ممنوعون من مزاولة مهنتهم

” خريجي جامعات وحملة شهادات يتجمعون وسط مدينة كيليس للبحث عن فرصة عمل يومية بعد ان ضاقت بهم السبل للعمل باختصاصاتهم. “

%d9%81%d9%8a-%d9%83%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d8%a7%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%88
[سورويون يتجمعون على دوار مندريس وسط مدينة كيليس-تركيا-11-2-2017-(مصطفى الخطيب/صباح الخير سوريا)]

على دوار مندريس وسط ولاية كيليس جنوبي تركيا يقف عشرات الأكاديميين السوريين اللاجئين بانتظار عمل. “ليس مهما نوع العمل، المهم أن أستطيع تأمين الطعام لعائلتي” يقول علي مختار، خريج كلية الحقوق جامعة حلب.

هذا الشاب ذو البنية القوية لم تسعفه ظروف الحرب في مزاولة مهنة المحاماة. كان ينتظر منذ ساعات الفجر الأولى إشارة من أحد أصحاب الشاحنات ليقوم بنقل الأثاث والبضائع إلا أن الطلب قليل اليوم. “أحياناً أنتظر طوال اليوم وأعود إلى بيتي وجيوبي فارغة”.

سبق لمختار أن عمل في ورش البناء، وفي مواسم القطاف والزراعة، وفي العتالة، حاله كحال لاجئين كثر لم يتمكنوا من مزاولة اختصاصهم لعدم امتلاكهم الأوراق الرسمية، أو لعدم إجادتهم اللغة التركية.

في هذه الولاية المحاذية للحدود السورية والتي تفصلها عن مدينة أعزاز خمسة كيلومترات فقط يعيش أكثر من 150 ألف لاجئ سوري داخل المدينة وفي مخيمين كبيرين. وينحدر معظم اللاجئين من مدينة حلب وأريافها ويشكلون الغالبية الكبرى من السكان، ما صبغ المدينة التركية بالصبغة الحلبية.
محمد العلي أحد الصيادلة اللاجئين من ريف حلب الغربي، لم يعثر هو الآخر على عمل فوجد ضالته عند الدوّار. “ليس هناك حظّ للصيادلة في المستوصفات والمراكز الطبية التابعة للمنظمات، فالعدد المطلوب لهذه المراكز قليل جداً وعدد الصيادلة الذين أعرفهم في الولاية يتجاوز الخمسين، ومنذ سنة لم تعلن أي منظمة عن حاجتها لصيدلي”.

يضيف محمد “حاولت العمل في صيدلية تركية لكنهم اشترطوا عليّ إجادة اللغة التركية والراتب لا يتجاوز 30 ليرة تركية في اليوم (أقل من 10 دولارات أمريكية) وفي الغالب تكتفي الصيدليات بصبيّ يجيد اللغة التركية ليعمل كمترجم”.

لا يختلف حال الأطباء عن حال الصيادلة. فالطبيب أحمد.ش أخصائي جراحة يملك خبرة عشرة سنوات في مشافي حلب وريفها. “عملت في بلدان كثيرة لم تكن تشترط الجنسية لكن القوانين التركية تمنع ذلك” يقول.

ويؤكد أحمد أن مدينة كيليس في أمس الحاجة إلى أطباء سوريين للعمل في المشافي التركية. “الكثير من المواطنين يعانون من عدم القدرة على التفاهم مع الطبيب التركي حيث لا يستطيع المترجمون نقل الشكاية المرضية للطبيب بصورة صحيحة ناهيك عن تذمر المترجمين وعدم تواجدهم في أغلب الأحيان”.

هذا الشاب ذو البنية القوية لم تسعفه ظروف الحرب في مزاولة مهنة المحاماة. كان ينتظر منذ ساعات الفجر الأولى إشارة من أحد أصحاب الشاحنات ليقوم بنقل الأثاث والبضائع إلا أن الطلب قليل اليوم

ويشير إلى أن معظم الأطباء السوريين حولوا بيوتهم إلى عيادات سرية. “في حال تم اكتشاف ذلك أو تقدم أحدهم بالشكوى عليه يتعرض الطبيب لإجراءات مجحفة ويتحول إلى القضاء”.

المعلمون ليسوا بأفضل حالاً

يوجد في مدينة كيليس 16 مركزاً تعليمياً سوريا تم إنشاؤها بالتعاون مع مديرية التربية التركية ويتجاوز عدد الطلاب فيها العشرين ألف طالب في المراحل المختلفة ما يشكل ازدحاماً شديداً في المدارس.

ومع القرارات الأخيرة التي صدرت في أيلول 2016 من الحكومة التركية بتحويل طلاب الصف الأول والخامس والتاسع للتعلم باللغة التركية وجد الكثير من المعلمين أنفسهم خارج وظائفهم حيث قامت مديرية التربية التركية بالاستغناء عن خدماتهم، فتجاوز عدد المدرسين المسجلين في مديرية التربية في ولاية كيليس ألفي مدرس ينتظرون فرصتهم في العمل.

صالح جنيد أحد المدرسين في الولاية يقول: “راتب المدرس لم يكن يتجاوز 900 ليرة تركية وفي أحسن الأحوال 1100 ليرة تركية (ما يعادل 300 دولاراً) وهي لا تكفي لسد الرمق”.

لكن لدى صالح مشكلة أخرى تتمثل في الكم الهائل من الشهادات السورية المزورة والتي أفقدت الثقة بالأكاديمي السوري حسب قوله.

ويوضح هذا المدرس أن الكثير من المدارس التي تشكلت في البداية بمجهود ذاتي من بعض المدرسين وتبنتها الحكومة التركية، مؤلفة من مدرسين من عائلة واحدة وربما بعضهم ليس لديه شهادة جامعية ولا يختار بناء على الكفاءة”.

وكانت مديرية التربية قد فصلت في شهر تشرين الثاني 90 مدرساً لتزويرهم لشهادات علمية بحسب أحد الأعضاء المكلفين بالإشراف على الملف التعليمي التركي.

محرومون من حقوق العمل

الأكاديميون الذين نجحوا في الحصول على فرصة عمل في هذه المدينة حالهم ليس أفضل بكثير، فالعامل السوري لا يُسجل في التأمينات الاجتماعية ما يعرضه للطرد الدائم بحسب سليم.ج الذي يقيم في كيليس منذ سنتين.

يحمل هذا الشاب شهادة الماجستير في التاريخ ويعمل في مصنع شوكولا في المنطقة الصناعية براتب قدره 1000 ليرة تركية. “أرسلت سيرتي الذاتية للكثير من المدارس والمنظمات ولكنهم لم يتكلفوا عناء الرد على الإيميل ولم يقابلني أحد”.

يمتد عمل سليم من الساعة السابعة صباحا حتى السادسة مساء في كل يوم. “العمل متعب ولم يسجلنا صاحب العمل في التأمينات الاجتماعية وليس لنا ضمان صحي ولا يمكننا المطالبة بزيادة الأجور وفي كل يوم نحن معرضون للاستغناء عنا”.

علاء مدرس لغة عربية جاء إلى تركيا منذ سنة ونصف السنة تقريباً، هو الآخر يعمل في مقهى من الساعة الثامنة صباحاً لمدة 12 ساعة يومياً. “قد اتجاوز ذلك لتمتد حتى 15 ساعة بدون عطلة ولا يوم واحد وأتقاضى 25 ليرة تركية في اليوم الواحد ولست مسجلاً في التأمينات”.

وأكمل علاء “أرباب العمل في كل مكان متفقون على هذه الأجرة، كل الذين يعملون في المطاعم يتقاضون نفس الراتب”.

علينا الانتظار

على عكس علاء، يبدو أحمد الحسين الذي تخرج من كلية الاقتصاد راضياً عم عمله كسائق سيارة أجرة على سيارته الخاصة بسكل سرّي. وقد قام بتوزيع رقم هاتفه في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وعرض أسعاراً منافسة تصل إلى نصف ثمن الأجرة التي يتقاضاها السائقون الأتراك. “يتصل بي الكثير من السوريين، وهم سعيدون بالخدمة التي أقدمها”.

بالنسبة لهذا السائق السوريون فإن على اللاجئين السوريين أن يتصالحوا مع الواقع الذي يعيشون فيه. “ليس بيدنا حيلة. علينا أن ننتظر قرارات جديدة من الحكومة التركية علها تنصفنا، أو أن تتغير الظروف في بلدنا فنعود إليه”.