قصة سميرة: من معلّمة إلى بائعة هوى

” أدت الحرب المستمرة في سوريا الى ارتفاع نسبة بائعات الهوى في مدينة حماة التي تعتير من المدن المحافظة في سوريا، يحاول الكاتب من خلال قصة (سميرة) تسليط الضوء على الأسباب التي تدفع النساء لامتهان الدعارة. “

%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%91%d9%85%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a8%d8%a7%d8%a6%d8%b9%d8%a9-%d9%87%d9%88%d9%89
[ساحة العاصي-مدينة حماة-29-11-2016(موريس بيطار/صباح الخير سوريا)]

قصة سميرة: من معلّمة إلى بائعة هوى

لقاءات عديدة جمعتنا معاً في المقهى الذي كانت تتردد إليه بشكل شبه يومي. كانت تجلس مع صديقاتها وعيناها تراقبان كل من حولها. تنظر إلى هذا وإلى ذاك محاولة اصطياد زبونها بعناية فائقة. ترددت كثيرا قبل أن البي دعوتها لي لزيارتها في منزلها. إلا أنني أردت خوض غمار تلك التجربة بنفسي.

الساعة العاشرة مساءً وقفت أمام منزلها كما حددت لي الموعد بدقة. قبل أن أرفع يدي لأطرق بابها فتحت لي. دخلت مسرعاً كي لا يراني أحد ودقات قلبي تتسارع. حاولت أن استجمع قواي المنهارة. رفعت رأسي لأتأملها. نعم مازالت نفس السيدة السمراء الممشوقة القامة والتي رأيتها عدة مرات، ولكن الأدوار هنا تغيرت، فأنا “المشتري” وهي التي تريد أن “تبيع” جسدها الذي آثرت أن تبدي منه أكثر مما تخفي.

“تفضل اجلس”.. قالتها بصوت لطيف. “القهوة جاهزة سأحضرها سريعاً”. جلست واخذت فنجانها وأشعلت سيجارتها. سألتها ممازحاً: “هل مضى عليك وقت طويل في هذه المهنة؟”.  أجابت: “نعم.. وقت طويل.. من كان يصدق أني في يوم من الايام سأتحول الى ما تنظر اليه بعينيك؟”.

أثارت تلك العبارة فضولي ودفعتني لطرح العديد من الأسئلة لكن هذه المرّة كصحافي. “صحافي؟” سألتني بنبرة ساخرة ومن ثم تملكها الصمت. دقائق معدودة شعرت بها كساعات أمضيتها وانا في انتظار أن تتكلم وهي ترتشف قهوتها. نظرت إلي مبتسمة بسخرية وقالت: “ماذا تريد أن تعرف؟”.  أجبتها: “القصة من البداية”.

سميرة التي لم تتجاوز الأربعين من عمرها بعد تخرجها من كلية الآداب قسم اللغة العربية عملت في مدارس المملكة العربية السعودية أربع سنوات. لم تشعر بغربة ابتعادها عن وطنها فشقيقاتها المقيمات هناك جعلنها تنسى الشعور بالوحدة.

كل ما اطلبه في متناول يدي، الجميع يتمنى ان يقدم خدماته والمقابل معروف، ارتقيت بمستوى الشخصيات الذين أعرفهم، لم يعد شيء يخيفني، بل الجميع يخاف مني ومن سطوتي التي وصلت لها.

مرض والدها أعادها إلى حماه، وبعد وفاته اضطرت للبقاء مع والدتها للعناية بها. “أودعت ما جنيته من مال لدى شركة صناعية وأرباح المبلغ الشهرية كانت تكفي كي أعيش حياة الرفاهية التي اعتدت عليها في السعودية لكن خبر إفلاس الشركة وحجز الدولة السورية على أملاكها جاء كالصاعقة التي وقعت على راسي” تقول.

تقدم شاب لخطبة سميرة، وسريعا حصل الزواج. أربعة أعوام عاشتها سميرة مع زوجها رزقت خلالها بطفلين تفرغت للعناية بهما وكان ما يتقاضاه الزوج الموظف في شركة كهرباء حماه يكفي تلك العائلة الصغيرة، لكن وفاة الزوج أثر حادث تعرض له خلال العمل كان بمثابة نقطة تحول جذري في حياة سميرة المقبلة.

“تركني وأطفالي مع تعويض مالي صغير لا يكفي سوى بضعة أشهر لذلك قررت العودة الى التدريس من جديد. ساعات طويلة قضيتها في مديرية التربية وانا احاول الحصول على شاغر تدريسي في أي مدرسة لا فارق لدي ولكن دون جدوى فمن ليس لديه الكرت الأخضر (الواسطة) تكون فرصته قليلة أو ربما معدومة”.

المدرسين في سوريا من غير العاملين في مديرية التربية يحق لهم تدريس ساعات ضمن اختصاصهم الدراسي لصفوف المرحلتين الثانية والثالثة باجر ساعي قيمته 150 ليرة سورية للساعة الواحدة (أقل من نصف دولار أمريكي).

“أسندت رأسي على الحائط وأنا مثقلة بهموم الدنيا فسمعت إحدى المعلمات تقول “ناس ما بتستحي إذا ما قدمت تنازلات ما رح أخد ساعات”. فكرت كثيرا بتلك الكلمات وقررت ان اتبع أسلوب آخر علّي بذلك أحصل على ما ابتغيه”.

عادت سميرة في اليوم التالي إلى الموظف المسؤول في مديرية التربية ولكن بمظهر وأسلوب مختلفين وهي تعتقد أن هذا هو المفتاح الذي سيفتح لها الأبواب التي أوصدت أمامها.

“ثياب تظهر أنوثتي الكاملة ومساحيق تجميل صارخة. قوبلت بالترحاب ونظرات الاعجاب من ذات الشخص الذي تأفف مني في اليوم الذي سبق“.

عندما قابلت سميرة ذاك الموظف في اليوم التالي في المقهى كانت عبارات الغزل  هي حديث الجلسة التي كان من المفترض أن تكون جلسة لحصولها على الساعات المنشودة.  “طلب مني مرافقته إلى منزله. لكن لما لا وأنا التي رضخت منذ البداية بالموافقة على مرافقته؟” قالت بينما ترتشف قهوتها وتضعها على طاولة صغيرة تفصل بيننا.

الساعات التدريسية التي كانت تبحث عنها سميرة حصلت عليها بعد ذلك اليوم ولكن الأمر لم ينته هنا بل ابتدأ لديها فحياة الرفاهية يجب ان تعود من جديد. “كل ما اطلبه اصبح في متناول يدي. الجميع يتمنى ان يقدم خدماته والمقابل معروف“.

كل ما حصلت عليه سميرة  كان من امتهان الدعارة. هذه المهنة الآخذة بالاتساع بشكل ملحوظ في حماة ومدن سورية أخرى مع ما خلفته الحرب المستعرة من ضحايا. فحتى في مجتمع يوصف بالمحافظ كالمجتمع الحموي تعيش مئات النساء العازبات أو اللواتي قتل أزواجهن على بيع أجسادهن.

تتقاضى سميرة مبلغ 8000 (15دولار) على كل ساعة تمضيها مع زبون، ومثلها تفعل زميلات لها في المهنة يقمن ببيوت دعارة انتشرت في أحياء المدينة كحي الأربعين وحي جنوب الملعب.

كانت تنظر إلى ساعة الحائط . مر أكثر من خمسين دقيقة على لقائنا. أشارت بيدها إلى غرفة نومها المفتوحة الباب وسألتني إن كنت أرغب في تمديد الجلسة لساعة أخرى فالوقت الذي اتفقنا على إمضائه سوية شارف على الانتهاء. أطفأت سيجارتي وارتشفت آخر ما تبقى من قهوتي وهممت بالرحيل. قلت لها مودعاً: “شكرا لك على كل شيء. حصلت على ما أحتاج إليه”.