“كراجات الهجرة العكسية” تتسع لـ 27 ألف يائس

سوقٌ ضخمة على الفيس بوك تجمع المهربين والمتاجرين بالأوراق الرسمية، تؤمن خدماتٍ مأجورة معظمها وهميّ. أما الزبائن، فهم مهاجرون يئسوا من “الحلم الأوروبي” فقرروا العودة إلى بلدهم سوريا أو إلى إحدى بلدان الجوار.

%d9%83%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%83%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%aa%d8%b3%d8%b9-%d9%84%d9%80-27-%d8%a3%d9%84%d9%81-%d9%8a

على طريق الهروب تعود الأقدام نفسها إما خائبة أو مشتاقة أو متعبة. أناس فضلوا الرجوع إلى معمعة الحرب السورية على البقاء في أوروبا.

أحمد.س أحد هؤلاء العائدين. يقول إنه تعرض لـ “خديعة دنيئة باسم الإنسانية”. هرب أحمد في العاشر من شهر تشرين الأول/اكتوبر 2015 من جحيم الحرب متجها من مدينته حلب إلى تركيا ومن ثم قرر المغامرة بحياته من أجل أن “أنقذ أولادي من النار وخطر العوز والجوع”.

دفع هذا الرجل الأربعيني مبلغاً قدره 1300 دولار أمريكي للمهرب، وقطع البحر بقارب مطاطي تراكمت فيه 65 قطعة بشرية على حد وصفه. “فشلت محاولتي الأولى وغرق أربعة عشر من الذين كانوا معي في القارب.. كانت إحدى أصعب اللحظات في حياتي”.

حاول أحمد عبور البحر مرة ثانية، فوصل إلى اليونان محملاً بالماء أثقل ثيابه، وبهمّ فراقه عائلته. أكمل طريقه سيراً على الأقدام وفي قطارات وسيارات متعددة قاطعاً أوروبا الشرقية ليصل لمكان حلم فيه بالأمان. “لدي طفل في العاشرة من عمره وآخر كان في السابعة عشر وزوجتي، وقد ظلوا في سوريا ينتظرون أن أحصل على الإقامة لأقوم بمعاملة لم الشمل”.

يتابع أحمد: “سجلت لجوئي في مقاطعة هيسن في ألمانيا وانتظرت سنة تقريبا دون أن أحصل على أوراق الإقامة، وكنت أقيم في مخيم يبعد عن أقرب مدينة قرابة ساعة بالباص ومن ثم نصف ساعة أخرى بالقطار، ولم يملك أولادي قوت يومهم في سوريا، فاضطررت لأعمل في أعمال كثيرة وأجور بخسة جدا وبشكل مخالف للقانون لأستطيع أن أرسل لعائلتي ما يساعدهم على العيش”.

بعد سنة كاملة كان يعمل فيها لمدة ثماني ساعات يوميا ويقضي أربع ساعات على الطريق بين العمل والمخيم، حصل أحمد على إقامة لمدة سنة واحدة فقط (حماية مؤقتة) وهي لا تخوله القيام بمعاملة لم الشمل لأسرته. “طعنت في الحكم وانتظرت ثلاثة شهور أخرى، فجاء الرد بالرفض، ولم يعد لي أي أمل في رؤية أبنائي أو لم شملهم، وقد بات من الصعب أن يدخلوا هم إلى تركيا حيث صارت محاولة عبور الحدود مكلفة وفيها مخاطر أكثر من العبور لأوروبا، وكذلك لم تعد تركيا تسمح لنا بدخول البلاد بشكل نظامي”.

قرر أحمد أن يعود إلى سوريا بطريقة غير قانونية. “حينما سألت علمت أن كثيرين يعودون عن طريق اليونان، واستطعت أن أجد صفحة على موقع الفيس بوك ساعدتني في إيجاد مهرب والعودة”.

“كراجات الهجرة العكسية”

أحمد، اللاجئ السوري في ألمانيا، ليس الوحيد الذي يعود إلى سوريا وفق ما يظهره تصفح منصات الكترونية أنشأتها شبكات تهريب باتت تعرف بـ “شبكات التهريب العكسي”، أي التهريب من أوروبا إلى موطن اللاجئ الأم.

لدي طفل في العاشرة من عمره وآخر كان في السابعة عشر وزوجتي، وقد ظلوا في سوريا ينتظرون أن أحصل على الإقامة لأقوم بمعاملة لم الشمل

الكثير من هذه الصفحات تشرح طريق العودة كما شرحت سابقا طريق الهروب، ومن بينها مجموعة مغلفة على الفيسبوك باسم “كراجات الهجرة العكسية” تضم ما يقارب 27 ألف عضو طلبوا الانضمام إليها وتم الموافقة على طلباتهم، يبدو أن معظمهم فقد الرغبة في البقاء في “نعيم” أوروبا.

وكما هو معمول في معظم الصفحات الفيسبوكية، يحتاج أي منشور فيها لموافقة المشرفين، لكن المشرفين هذه المرة هم المهربون أنفسهم.

ومن خلال المجموعة ويمكن للمرء أن يحصل على كل المعلومات اللازمة لعملية العودة إلى تركيا أو سوريا، وكافة التفاصيل من كيفية الحجز في الطائرات ووسائل النقل البري، وأسماء القرى الحدودية التي سيعبرها، ومعلومات أخرى حول أساليب معاملة المهربين وحراس الحدود من الطرفين، وأسماء أو ألقاب المهربين الجيدين من السيئين.

وبحسب أحمد، فإن “كراجات الهجرة العكسية” وسواها من صفحات المهرّبين توفر مجالاً لـ “تبادل الخبرات” والمعلومات، فالأعضاء الذين قاموا بتهريب أنفسهم، منهم من دخل إلى تركيا أو سوريا لفترة مؤقتة لزيارة أسرته ورؤية أطفاله، ومنهم من قرر ترك أوروبا نهائيا والبقاء هناك، ومعظمهم يقومون بنشر تجاربهم كي يستفيد منها آخرون.

سوق أوراق مزورة

لا تخلو الصفحة ومثيلاتها من كونها سوقاً ضخمة للمهربين والمتاجرين بالأوراق الرسمية المزورة، تؤمن خدمات معظمها وهمي بأجور متباينة بين 50 إلى 500 يورو، من حجز تذكرة الطائرة للعائد عبر الانترنت ليتم سحبها من ماكينة معينة متجاوزا بذلك إبراز جواز سفره لدى شركات الطيران، وخاصة لأولئك الذين لم يحصلوا بعد على الإقامة ويحملون أوراق لا تخولهم السفر خارج بلد اللجوء، وحتى عبور النهر بين اليونان وتركيا بقارب مطاطي مرة أخرى.

وتكشف الصفحة عن سوق آخر يبيع اللاجئون فيه أوراقهم الأوروبية بهدف تمويل رحلة عودتهم إلى بلادهم. فهناك عشرات جوازات السفر وبطاقات التأمين الصحي معروضة للبيع لأشخاص شبيهين بصورة صاحب الوثيقة، وتتراوح أسعار تلك الوثائق بين 300 وحتى 3000 يورو للشخص الواحد. وقد قام معدّ هذا التقرير بعرض جوازه بحجة بيعه فهناك من عرض دفع 300 يورو وهناك من عرض 2000 يورو. كذلك يقوم البعض بشراء تلك الوثائق كوسطاء، ومن ثم بيعها مجددا ضمن عملية تجارية تصل أرباحها إلى أضعاف.

ويشرح أحمد تنوع ظروف العائدين الذين تعرف إليهم من خلال الصفحة، فهناك أولئك الذين لم يتكيفوا مع الثقافة الأوروبية أو لم يجدوا الفرص التي يبحثون عنها أو تعرضوا لمعاملة أساءت لكرامتهم، وأولئك الذين حاولوا المستحيل ليقوموا بلم شمل أبنائهم أو عائلاتهم ولم ينجحوا، وصولاًَ إلى أولئك الذين ينوون زيارة تركيا ولقاء ذويهم بعد أن حرمتهم السلطات الأوروبية من لم شمل عائلاتهم ومنعهم الأتراك من دخول أراضيهم.

والطريق بحسب منشور في هذه الصفحة الفيسبوكية “سهل جدا”؛ فتبدأ الرحلة من إحدى المطارات في الاتحاد الأوروبي باتجاه مدينة سالونيك في شمال اليونان، ومن ثم يستقل “العائد” حافلة بقيمة 42 يورو لإحدى القرى الحدودية المتفق عليها مسبقا مع المهرب وأشهرها قريتي لافارا ودوموتيك، وهناك يقابل المهرب الذي يقطع به النهر بتكلفة 150 يورو كحد أدنى للشخص لمسافة لا تزيد عن الثلاثين متراً، ومن ثم يتجه إلى أكسراي في تركيا وبعدها لاسطنبول أو غيرها.

أما الذين يقررون بعد ذلك العودة إلى أوروبا، فيمكنهم ذلك عن طريق أحد المطارات التركية بعد دفع مخالفة نقدية قدرها 250 ليرة تركية بسبب الدخول غير الشرعي. ويسمح لهم بالمغادرة بناء على الوثائق الرسمية التي يحملونها من بلد اللجوء مثل بطاقة الإقامة ووثيقة السفر.

لا أوراق للعودة إلى أوروبا

يمنع القانون الألماني على سبيل المثال اللاجئين الحاصلين على حق الحماية المؤقتة  من لم شمل عائلاتهم مباشرة، ويطلب منهم الانتظار لفترة تدوم لتاريخ أول أذار/ مارس 2018، وقد يجري تمديدها لسنة إضافية أو أكثر، فضلا عن شروط أخرى وهو ما يدفع العديد منهم للعودة لرؤية ذويهم.

وينقل بعض المشاركين في صفحة “الهجرة العكسية” تجارب مريرة عاشوها عندما زاروا عوائلهم في سوريا ومن ثم قررا الرجوع بعد دفع المخالفة في تركيا. فبحسب تعليقات منشورة على الصفحة صادر مهربون أوراق إقامات أوروبية من بعض اللاجئين وتعرض بعضهم للضرب والسرقة. لكن ما يدفع إلى التساؤل هو ما يقوم به حرس الحدود اليوناني حسب بعض المصادر التي عبرت الحدود.

محمد .أ مقيم في ألمانيا تحت بند الحماية الدولية، وهو شاب ترك المدرسة في سن مبكرة، يقول إنه أراد العودة لتركيا لأنه لم يستطع التأقلم مع نظام الاندماج. “أخبرني كثيرون أنه يمكنني العودة بسهولة عن طريق دفع المخالفة، ولكن حرس الحدود اليوناني أمسكني عند الحدود، وقام بتخليصي بطاقتي الألمانية ووثيقة السفر، ومن ثم تركني أعبر للطرف التركي، وهكذا لن أتمكن من العودة حتى لو أردت”.

وقد تعرض أحمد .س الذي قابلناه للحادثة نفسها، إذ قام الحرس اليوناني بتخليصه وثائقه الرسمية الأوروبية مما حرمه من فرصة العودة لأوروبا، وسمحوا له بمتابعة طريقه “اللاشرعي”.

وتحدث عائدون آخرون عن مجموعات يعتقدون أنها من “الكومندوس الألماني” على الحدود اليونانية تقوم بتفتيش العائدين وتخليصهم أوراقهم الأوروبية علما ان كاتب التحقيق لم يتمكن من التثبت من

  هذه المعلومة من خلال السلطات الألمانية أو مصادر مستقلة.

                                                                                                                                                                                                                                                         رعد أطلي