كلنا معاقون مع وقف التنفيذ

” حول الحب والارتباط لدى ذوي الاحتياجات الخاصة. “

%d9%83%d9%84%d9%86%d8%a7-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%82%d9%88%d9%86-%d9%85%d8%b9-%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%81%d9%8a%d8%b0
(الصورة: عشاق على كرسي متحرك (via CC BY-NC 2.0/svennevenn) (wheelchair lovers))
<

“كثيراً ما يلغى رأي الأنثى وأفكارها مهما بلغت من العلم وخصوصاً في موضوع الزواج عندنا في الرقة، فكيف إن كان الشاب لديه إعاقة!”

div>(ريف دمشق، سوريا) تزداد نسبة الإعاقات الحركية في فترة الحروب تحديداً بين الشباب والأطفال، فالمقتتلون عادة هم الشباب وضحايا اقتتالهم في الكثير من الحالات من الأطفال. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة الشباب المتضررين جسدياً من الحرب ترتفع عموماً، وهؤلاء الشباب ذكوراً كانوا أم إناثاً بحاجة إلى متابعة حياتهم الاجتماعية والارتباط بزوج إن أمكن، بل قد يكونون مرتبطين أساساً عند تعرضهم للإعاقة.
في شهر آب (أغسطس) 2015 ذكر ضابط رفيع المستوى في فرع الإدارة والتوجيه السياسي، أمام مجموعة من المثقفين في ملتقى يعنى بموضوع الإعاقات الناتجة عن الحرب، أن إحصاءات الإدارة تشير إلى أن نسبة 4.3% من الشباب بين سن 18 و26 سنة في منطقة الساحل السوري وتحديداً بين أبناء الطائفة العلوية تعاني من إعاقة حركية، وهو رقم كبير نسبة إلى تلاشي هذه الفئة العمرية عموماً نتيجة الهجرة والوفاة والتجنيد، حيث باتت تمثل اليوم شريحة صغيرة جداً في الساحل.
وفي تاريخ 18 آب (أغسطس) 2015 ذكرت الناشطة النسوية ضحى الدبس على موقع شبكة المرأة السورية، وهي منظمة مدنية سورية غير حكومية تعنى بالشأن النسوي، وجود مليون إعاقة حركية في سوريا؛ وإذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن عدد المهاجرين بلغ 6.5 ملايين خلال السنوات الأربعة الماضية (من أصل عدد السكان الإجمالي 22.5 مليون في عام 2011) حسب تصريحات ألقتها الهيئة السورية الحكومية لشؤون الأسرة والسكان في بداية 2015، يصبح عدد السكان الفعلي في الداخل بالتالي 16 مليون نسمة، ما يعني أن حوالى 6.5% من سكان سوريا يعانون من إعاقة حركية. كما كشف بيان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة أن 270 ألف إعاقة دائمة سجلت حتى تاريخ 4 كانون الأول (ديسمبر) 2014.
ومن مواضيع منهاج “الدعم النفسي الاجتماعي التخصصي” التي تقدمها المنظمات الإنسانية العاملة في سوريا لذوي الاحتياجات الخاصة – بهدف مساعدتهم على التأقلم مع وضعهم الجسدي الجديد – موضوع الارتباط، مع مراعاة اعتبارات الحالات المتنوعة، فبعض حالات الاحتياجات الخاصة لا تتيح للمصابين بها الزواج، خصوصاً غير المؤهلين منهم سلوكياً وعقلياً وحركياً، كالمصابين بالتوحد والشلل الدماغي وفرط النشاط والاختلاج المعمم والداون والشلل الرباعي. وتعد حالات الزواج بين ذوي الاحتياجات الخاصة قليلة بشكل عام، كونها حالات خاصة أساساً.
وخلال سنوات عملي الخمس كباحث اجتماعي مع عدة منظمات إنسانية في مناطق متنوعة من سوريا، كونت مقياساً لنجاح الارتباط بين ذوي الاحتياجات الخاصة عبر الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1. هل تمنع الإعاقة اكتمال شروط الزواج كالمعيشة والاهتمام بالمنزل وبالأسرة والعلاقة الحميمة بالشريك والإنجاب؟
2. هل تعيق الحياة الاجتماعية في محيط الأسرة كالجيران والأهل والأصدقاء؟
3. هل هي وراثية أم طارئة؟ حيث لا يجب الإنجاب إن كانت الإعاقة وراثية.
4. هل يوجد تقبل وتوافق ورغبة بين الشريكين؟ أم أن الارتباط قسري؟
وسأذكر في ما يلي مثالين متباينين حول هذا المقياس كنت قد تابعتهما من خلال عملي كباحث، الأول هو صاحب إعاقة تمكن من الارتباط رغم إعاقته وهو ذو إرادة ساعدته في مسيرته، والثاني كان متزوجاً وتعرض لإعاقة، ومع فقدانه لعامل الإرادة بدأت حياته تنهار.
أحمد (1) معلم ثلاثيني من الرقة، يعاني من شلل خلقي في ساقه، ولكنه متكيف مع وضعه ولم يمنعه ذلك من متابعة تعليمه ومن ممارسة رياضته المفضلة: الحب. أحب المعلم زميلته وهي أحبته، لكن عارض حبهما والدا المعلمة نتيجة إعاقته، ويقول أحمد في هذا الصدد: “كثيراً ما يلغى رأي الأنثى وأفكارها مهما بلغت من العلم وخصوصاً في موضوع الزواج عندنا في الرقة، فكيف إن كان الشاب لديه إعاقة!” كذلك يلغى رأيها حتى لو كانت هي صاحبة الإعاقة، رغم أن الأمر أسهل في هذه الحالة كون الشاب موافق على الزيجة وأهل الفتاة يريدون لها السترة فيزوجونها فوراً. ويضيف المعلم ساخراً أن “كل الناس معاقين مع وقف التنفيذ،” فأي إنسان معرض للإعاقة في أي وقت.
أما أبو حسين فضابط ثلاثيني في جيش النظام من طرطوس، تعرض لكمين أدى لإصابة في فقراته العجزية أقعدته منذ سنة وأربعة أشهر. وهو متزوج وله طفلة عمرها 4 سنوات، إلا أنه لم يستطع تقبل وضع إعاقته ويقول: “أنا وامرأتي تزوجنا عن حب، لكن اليوم نتيجة وضعي تتململ زوجتي من خدمتي، ونظراتها لم تعد حنونة كما كانت، وقد يعود السبب إلى أنها لا تزال فتية وأنا عاجز تماماً!” وتتابع زوجته أم حسين حديثه قائلة: “صرنا فقراء لعدم صرف تعويضات الإعاقة وغلاء الأدوية التي لم تعد متوفرة وطنياً، فأصبحنا نشتريها من لبنان بمبالغ كبيرة، وزوجي يزيد الأمر تعقيداً بسبب اكتئابه وضعف إرادته.”
الإنسان السليم عاجز من دون إرادة، والعاجز يتجاوز عجزه بإرادته وتصميمه. فكل عجز يمكن أن يدفع الإنسان ليجد ذاته أو يكونها ويثبت نفسه كي لا يسقط ضحية عجزه، ولولا إدراك الإنسان لهذا لما طور حياته وسعى للأفضل، حيث يعتبر التأقلم مع الإعاقة أول خطوة لغرس الإرادة، كما حصل مع معلم المدرسة.
تزوج المعلم أخيراً ممن يحب فلم تكن إعاقته موروثة ولا معيقة لاكتمال حياته الزوجية، فانتصر حب الزوجين لبعضهما وأصرا عليه متحديين مجتمعهما. أما الضابط فبينما لم تعق إصابته حياته الاجتماعية أو الزوجية إلا في فترة النقاهة، كان متوهماً أن زوجته تغيرت تجاهه نتيجة اكتئابه وقلقه، في حين كانت زوجته تتبرم من ضعف إرادته وكثرة طلباته رغم وضعهما المادي، لكنها لم تنفر يوماً من خدمته ولم تتبدل مشاعرها تجاهه على ما يبدو. وبعد تقديم الاستشارات اللازمة لهما ضمن عيادة الدعم النفسي الاجتماعي في إحدى المنظمات الإنسانية، تغير تعاملهما مع بعضهما وتقبلا وضعهما الجديد، وبدأ الضابط تعلم مهنة تصليح الهواتف المحمولة ليفتتح محلا له.

تم استخدام أسماء مستعارة لأسباب أمنية.