كيف تصنعنا المجزرة

” ماذا يدفع احد انصار الثورة السورية الى الإصرار على العودة إلى مدينته المنكوبة؟ “

%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%b5%d9%86%d8%b9%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%b2%d8%b1%d8%a9
(الصورة: احد الناجين من برميل متفجر اسقطته طائرات النظام السوري على بيوت حلب القديمة - حلب - باب الحديد - 2015-4-15 (محمود عبدلبرحمنصباح الخير سوريا))
<

“أنت السبب، بسببك وصلنا إلى هذا الوضع، ثم هربت إلى بلاد تعيش فيها بمأمن وتختلق لنفسك ألف عذر للبقاء فيها.”

div>(حلب، سوريا) لم يكن الحنين للوطن هو سبب عودتي إلى حلب ولا إيماني بالثورة أو نيتي  بإكمال ذلك الدرب الثوري الذي قررت خوضه ثم شعرت أني غير قادر على إكماله، بل كانت المجزرة هي التي دفعتني إلى العودة: لعل العودة تخلصني من شعوري بالذنب تجاههم، صورهم من دوما تحاصرني، صورة رجل يصرخ كمن فقد كل شيء وكل أمل ولم يعد هناك ما ينتظره إلا قدرة خارقة تنتشله من كل ذلك أو يداً تهزه كي يستفيق من كابوسه المرعب.
تختلط مشاعره في داخلي وصوته يصرخ في وجهي: “تباً لك وللإنسانية ولكل سلم تفكر به قبل سلم بيتي وأمن أولادي! تباً لما تدعون إليه من حوار منطقي وسط جنون البراميل!”
أحاول تجاهل صرخاته وتأنيبه وأنا في طريقي إلى المعبر الحدودي التركي-السوري،  فتعاودني نظرات ذلك الطفل المدمى كأنها تقول لي: “أنت السبب، بسببك وصلنا إلى هذا الوضع، ثم هربت إلى بلاد تعيش فيها بمأمن وتختلق لنفسك ألف عذر للبقاء فيها.
“فتكذب على نفسك زاعماً أن الناس هنا لم يفهموا أفكارك الثورية ولم يساندوك في مشروعك العظيم الذي تبتغيه لسوريا، و بالتالي ليس هناك في بلدك ما يستحق البقاء، بلدك الذي شاركت فيه في انطلاقة شرارة الحريق التي أوصلتنا إلى هنا، ثم تركته عندما اشتعلت كأنك كنت تتوقع درباً مفروشاً بالورود يوصلك إلى الحرية من دون عناء أو حتى يمنحك منصباً كنت تحلم به من قبل وتتعفف عنه.”
“لا تكذب،” يقول لي الطفل، “لم ترحل لأنك فقدت الأمل في تغيير البلاد، فأنت أصلاً لم تحاول تغييرها. كل ما فعلته أنك تغيرت وتقلبت مع الرياح ككل من تنتقدهم، فلا تقبل بمن يخالفك وتحتقر من كنت مثله قبل شهور وتخاطبه بنفس العبارات التي كنت تعتبرها مزعجة قبل انضمامك إلى هذا التيار الذي تعتقد أنه الصحيح المطلق كما يعتقد غيرك، إذاً تحاور الآخرين بنفس الأسلوب وتنتظر نتائج مختلفة.
“لم تغير شيئاً إلا نفسك وذلك وفقاً لمصالحك، أما نحن وحياتنا وموتنا فلسنا مما تسعون إلى تغييره أنت وأمثالك،” وكلمة أمثالك يقولها الطفل كأني شيء من الأشياء الكثيرة المملة التي صدعت رؤوسهم بأشكالها وألوانها المختلفة لكن مضمونها واحد.
ثم تعود صرخة الرجل لتطن في رأسي: “تباً لك وللإنسانية” وأردد وراءه أنا أيضاً: “تباً للإنسانية” وحدها  لكن ليس لي، لم يسمح لي غروري بشتم نفسي، حيث أنني شاركت في المظاهرات السلمية التي يتباهى بها الجميع، ورافقت من حملوا السلاح بكاميرتي في العديد من المعارك، ما يزيد رصيدي الثوري الذي صار يقاس بهذه المساهمات. حتى أنني صرت أقارن  نفسي بمن شاركوا  في الثورات العظيمة كالثورة الفرنسية وغيرها، إلى درجة أن أعتبر أني من القليلين الذين  يفهمون الواقع.
وأشرد في أفكاري النرجسية ليوقظني صوت الرجل ثانية: “تباً لك” ولك وحدك ، فأردد أنا الصرخة وراءه: “تباً لي و للإنسانية.” وأحاول التجرد منها عازماً على العودة إلى حلب، مطالباً بقصف كل ما فيها: سأقصف المدنيين وأقتل وأعذب كل من يشك بأنه ضد هذه الثورة، إذ أن  الثورة تتطلب وحشية لا رفقاً أو إنسانية. ولعل بعض الوحشية لن يضر وسط هذه المذبحة المستمرة منذ أربع سنوات، فبالفعل لن يخرج من تحت البرميل من يؤمن بالإنسانية الراضية عن قتله ولن تصنع المجزرة إلا وحوشاً. هذا هو الواقع الذي يجب ان أعترف به.
يقطع أفكاري توقف الباص قرب باب المعبر، فإذا بي أحمل حقيبتي وأقترب من الباب مراقباً العائلات المنهكة تحت الشمس مع أغراضها: ناس  ينتظرون أن يتغمدهم والي المعبر برحمته فيدخلهم إلى جحيم الحرب في سوريا، أو أن يقودهم عبر الحدود مهرب بارع  بعد استغلالهم.
لم يكن بيدي حيلة أمام كل هذا أكثر مما كان بيد ذاك الرجل في دوما، وأنا أشاهد الأطفال النائمين على أكياسهم، والنساء المتعبة والرجال العاجزين عن فعل شيء لعائلاتهم، لم يكن بيدي حيلة سوى الشتم، فرحت أشتم النظام والثورة و”داعش” والحكومة التركية والعالم كله وأشتم نفسي: “تباً للجميع وتباً لي.”
ثم أعود لأنانيتي وأقرر البحث عن طريق للدخول، فأعثر على مهرب يعرف طريقاً ولذلك يطلب مني ألا أتحدث إلى أحد كي لا يفتضح الأمر وأوافقه على تفضيل مصلحتي على المصلحة العامة.
أدخل المعبر من دون المرور بنقطة الدخول عبر ذلك السياج العالي زحفاً تارة وقفزاً من فوقها تارة أخرى، بأسلوب يمكن وصفه بأي شيء إلا تلك الإنسانية التي علينا احترامها من دون أن نعرفها. وعند نقطة الخروج، بعد أكثر من كذبة وادعاء بالمرض، يسمح لي الضابط التركي بالمرور وفي عينيه نظرة استهزاء تقول: “أعرف أنك تكذب لكني سأدعك لأن مرورك أو عدمه واحد فأنت لا شيء.”
وبعد أن تأكدوا أني لست شبيحاً في الكراج السوري ركبت السيارة متجهاً إلى حلب.
وفي الطريق تتداولت أحاديث كثيرة بين الركاب والسائق عن غلاء المواصلات وارتفاع سعر البنزين، ويعلق السائق: “هذا حرام، هذا غير إنساني،” ما زالوا يؤمنون بالإنسانية التي لم تعد تؤمن بهم، فقد اعتادوا هذه المكان المتخم بالموت الأشبه بكوكب ينفى إليه المذنبون في فيلم خيال علمي، حيث يحيى القوي و يموت الضعيف.
أصل إلى بيتي وتستقبلني أمي فرحة بعودتي إلا أنني لا أجد تفسيراً لفرحتها، فعادة تفرح الأمهات عندما يهاجر أولادهن خارج هذه البلاد المميتة. أجلس بينهم كضيف. لم أشعر بالانتماء لأي شيء في هذه المدينة إلا الموت الذي يطاردني في كل مكان وأتخيله مراراً: أرى البرميل  يمزقني مع أصدقائي فتتطاير رؤوسنا وتتهشم أجسادنا فأتساءل: “هل سيقتلني ضغط انفجار البرميل أم شظاياه؟ وهل سأسمع صوته قبل أن أموت؟”
يقطع شرودي صوت قذيفة لم يعد يخافها الطفل الذي يقف قربي إلا أنها أرعبتني حتى حاولت إخفاء رأسي بين كتفي فيضحك أخي قائلاً: “عادي، بكرا بتتعود!” ربما المشكلة فعلاً أني لم أعد معتاداً على الحرب، ويجب أن أعتاد الخوف والموت والعجز وفشلي في تحقيق ما كنت أطمح إليه وأعتاد حقدي على الجميع، وبالتالي لا بد من الاقتناع بأن لا أحد في هذه البلاد قادر على اتخاذ قرار يغير مصيرها ومن الاستسلام للمجهول الذي نسير جميعاً إليه.