لعبة الوهم، كيف انخفض الدولار مقابل الليرة السورية ؟

تحسن غير مسبوق لليرة السورية امام الدولار منذ أكثر من شهر و حتى الان ,عائدية هذا التحسن لم يكن تحرك الاقتصاد السوري , بل ما زالت سوريا تغوص في الدماء و عجلة الإنتاج لم تقلع كما كانت او حتى بنسبة الربع مما كانت عليه.  فكيف تحسنت الليرة السورية بين ليلة وضحاها ؟

%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85%d8%8c-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%86%d8%ae%d9%81%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84
  • عبد الرحمن انيس

 

من المعروف أن “أديب ميالة” مدير المصرف السوري المركزي سابقاً كان قد اتبع سياسة حازمة جدا تجاه الليرة السورية و قسم سوقها بين قسمين فوقاني و تحتاني , فالاقتصاد الفوقاني يشمل كبار الشخصيات و أصحاب رؤوس الأموال الجدد في نظام الحكم الاسدي و القسم التحتاني الذي يشمل باقي فئات الشعب و مؤسسات الدولة , حيث أقر ميالة سياسة تعامل الفوقانيين فقط بالدولار و التحتانيين فقط بالليرة السورية , و نسج على هذه السياسة ان المركزي السوري بات يتعامل في سوق العملات كمضارب و ليس كمصرف مركزي مهمته حماية اقتصاد البلاد بل بات دوره دعم القسم الفوقاني و دعمهم و التضييق على شركات الصرفة و المصارف الخاصة , و رغم تدفقات الأموال الهائلة التي وصلت من ايران عبر خطين ائتمانيين قيمتهما حوالي 350 مليون دولار و من الامارات العربية المتحدة التي كانت ترسل شحنات الأموال عبر الطائرات الى مطار دمشق الدولي، لم يستطع ميالة انقاذ سعر الصرف بل و استفاد منه في عملية المضاربة التي قام بها في السوق السورية اذ احتفظ المركزي باحتياطياته من الدولار و فرض على المصارف تسليم مخزوناتها من العملات الأجنبية بشكل يومي او اسبوعي للمركزي السوري , بينما ما يخرج من المركزي هو فقط الليرة السورية بالسعر الرسمي الذي يفرضه المركزي

لذلك بينما زادت رواتب موظفي الدولة من 15000 ليرة سورية الى 40000 ليرة انما هي نقصت في الظل الخفي فالـــــ15000 كانت تساوي 300 دولار بينما الـــ40000 ليرة تساوي بسعر 500 ليرة للدولار  تساوي 80 دولار فقط , و هذا الفارق الذي لعب عليه المركزي السوري في جني أرباح سخرت و ما زالت لتمويل الانفاق الحكومي و بعض نفقات الحرب بينما الاقتصاد السوري متوقف تماما و ابار البترول أيضا متوقفة عن الإنتاج .

 

أديب ميالة مدير المركزي السابق: “لا يوجد عملة دولة في العالم تتحسن خلال 24 ساعة بنسبة 12 % “”

اليوم حينما اعتلى دريد درغام مديرا للمركزي السوري خلفاً لأديب ميالة قام بتغيير سياسة المركزي أيضاً باتجاه مجهول لم نلتمسه بعد و لكن ما زلنا نتلمس معالمه , فقد ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار بسبب قلة كميات الليرة السورية في الأسواق و حسب نظرية قلة المعروض تزيد في طلبه فقد زاد الطلب على الليرة السورية أي ان انخفاض المعروض من الليرة في السوق بمعنى قلة سيولة من الليرة السورية ما جعل الطلب عليها يزداد , و لكن السؤال الحقيقي لماذا انخفضت كمية المعروض من الليرة السورية ؟ فالمصرف المركزي حاول خلال الفترة الماضية تأخير أو تأجيل ضخ أموال المصارف إلى السوق و هو أيضا حاول أن يتحدث عن معدلات فوائد منخفضة على الايداعات وهو الآن ينوي أن يضع مغريات لإيداع الأموال في المصارف .

و من هنا فقد هاجم حاكم مصرف سوريا المركزي السابق أديب ميالة سياسة مصرف سوريا المركزي الحالية ( دريد درغام )  حيث وصف قراراته بأنها “ارتجالية وتدل على عدم المعرفة بالشيء خاصة ما يتعلق منها بالحوالات”معتبرًا أن “سياسة المصرف لا تواكب توجهات الحكومة”

البنك المركزي خلف نقص كميات الليرة في الأسواق، كان السبب وراء هبوط الدولار لصالح الليرة السورية بنسبة 12%

وحول انخفاض سعر الصرف أوضح ميالة أنه هبوط غير صحي متسائلًا حول وجود أي عملة دولة في العالم تتحسن خلال 24 ساعة بمقدار 12% خاصة وأن شركات البورصة في العام الواحد لا يصل ربحها إلى 12% .

فالمشكلة التي كان المركزي يواجهها بشكل دائم هي كيفية توجيه الكتلة النقدية التي توزعت في دول الجوار و بعض دول الخليج ابان محاولتها كسر قيمة سعر الصرف في بداية 2012  إلا ان المركزي اليوم تخلى عن سياسة الحفاظ على سعر مستقر لليرة السورية و أنه بات لا يمانع من انخفاض الدولار مقابل الليرة السورية حتى و لو كان الانخفاض حاداً و أن الفوائد التي يجنيها الإقتصاد السوري من انخفاض الدولار أكثر من فوائد بقائه مرتفعاً و الفائدة الوحيدة من دولار مرتفع أمام الليرة السورية هو صادرات أكثر بينما الفائدة الكبيرة من انخفاض سعر الدولار هو انخفاض الأسعار و هي التي تمثل البديل عن زيادة الرواتب.

بالمحصلة الليرة تحسنت لأنها قليلة، وفي السوق “العملة سلعة عندما يقل عرضها ترتفع قيمتها”.  , حيث تزامن تراجع الدولار مع خطوة مفاجئة اتخذها المصرف المركزي بتخفيض سعر الصرف الرسمي إلى ما دون السعر في السوق الموازية حيث وصلت نسبة الهبوط  إلى 11.43%   .

و هناك من رأى أن سبب تغيير سعر الصرف يعود لمحاولة المصرف المركزي والتجار الاستفادة من الحرب التي نشأت خلال الفترة الماضية بين حاكم المصرف دريد درغام والتجار و ان هذا الانخفاض ليس لعبة من المصرف كما يرى البعض فحصار الغوطة وخروج مناطق واسعة من تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” أسهم في تخفيض سعر الدولار إلى ما هو أقل من المتوقع، وتزامن تراجع الدولار مع خطوة مفاجئة اتخذها المصرف المركزي بتخفيض سعر الصرف الرسمي إلى ما دون السعر في السوق الموازي ووصلت نسبة التخفيض إلى 11.43%.  كما ان هذا الهبوط  الكبير لسعر الصرف نتج  أيضًا بسبب شركات الصرافة التي وجدت الفرصة سانحة لتعويض الخسارة التي لحقت بها سابقًا من قرار المصرف المركزي الخاص بالحوالات المالية فقد جرّ تحرك المركزي مزيدًا من الانخفاض لسعر السوق الموازي، وهو ما دفع أغلب المتعاملين بالدولار إلى وقف تعاملاتهم والامتناع عن بيع وشراء الدولار.

 

لمياء عاصي وزيرة الاقتصاد السابقة في حكومة الأسد “” لا يوجد لهذه التقلبات السعرية سبب واحد””

وكان المركزي أصدر الثلاثاء 31 تشرين الأول قرارًا منع بموجبه سحب أكثر من حوالة مالية واحدة في الشهر أو تصريف العملات الأجنبية أكثر من مرة واحدة في الشهر في مختلف قطاعات المصارف والصرافة، واشترط المركزي استلام الحوالة بالليرة السورية إذا كانت أقل من 500 دولار أمريكي، أما إذا كانت أكثر من ذلك، أو استلم الشخص أكثر من حوالة في الشهر، فيمنع سحبها ويتوجب إبقاؤها وديعة في البنك لمدة ثلاثة أشهر، وفي حال أراد الشخص سحبها قبل ثلاثة أشهر فإنه يأخذ قيمتها بالليرة السورية حصرًا، بعد دفع عمولة قيمتها 10% من قيمة الأموال، و يرى البعض ان  قرار المصرف يعود إلى بوادر خلاف مع شركات الصرافة والتخوف من تجمع الكتلة النقدية بأيدي تجار كبار ومضاربتهم على الليرة السورية مستقبلًا فأراد “المصرف” تجميد عمل شركات الصرافة بهذا القرار مشيرًا إلى إلغاء القرار في حال الاتفاق بين المصرف وشركات الصرافة.

و رأت لمياء عاصي وزيرة الاقتصاد السابقة في حكومة النظام السوري انه لا يوجد لهذه التقلبات السعرية سبب واحد وتساءلت “كيف يبيع المصرف المركزي الدولار بأعلى من سعره في السوق؟” معتبرةً أن الفوضى سيد الموقف في أسعار صرف العملات بسبب “عناد (المصرف) وقلة المعرفة” و رات عاصي أن انخفاض سعر الدولار مقابل الليرة السورية يعتبر مؤشرًا له انعكاس إيجابي على الحياة الاقتصادية ولعل المضاربات هي من أهم أسباب تقلبات أسعار العملات.

 

تيسير الرداوي الرئيس السابق لهيئة تخطيط الدولة في نظام الأسد “” الهدف سحب أموال المواطنين التي يعتقدون أنها آمنة وأن هذا التغير الحالي مؤقت ولن يدوم””

واعتبر تيسير الرداوي رئيس هيئة تخطيط الدولة سابقًاً  في منشور له عبر “فيس بوك” أن قيمة العملة ترتبط بالصادرات، فعندما تزداد يتدفق النقد الأجنبي إلى داخل البلد وتصبح العملة الوطنية قوية أو ترتبط بزيادة الإنتاج، وبالتالي تقل الحاجة للاستيراد، وتنخفض في حالتنا قيمة الدولار، والعكس صحيح و أن الموضوع مرتبط بكمية ونوعية الإنتاج لافتًا إلى أنه إذا لم يكن هناك تبدل حقيقي في بنية الاقتصاد، فالتغير سببه المضاربة وبالتالي الهدف سحب أموال المواطنين التي يعتقدون أنها آمنة وأن هذا التغير الحالي مؤقت ولن يدوم .

و يرى آخرون أن الهبوط المفاجئ هو هبوط وهمي ستتجلى انعكاساته سلباً على المواطن و قيمة الحوالات المالية التي تأتيه من الخارج والمساعدات التي يتلقاها من المنظمات بشكل سلع لأنه بانخفاض قيمة الدولار ستنخفض نسبة المساعدات والحوالات المالية .

و أخيرا يعيش السوريون امام حالة من عدم الثقة بالقرارات التي تصيب جيوب السوريين، و يعتقدون انها تستهدفهم بالدرجة الأولى لذلك لم يطرأ أي تغييرات على أسعار المواد و السلع في الأسواق السورية، وبحسب وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام السوري فإن انخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار لن يؤدي إلى خفض الأسعار.