لماذا يفضل السوريون في لبنان السكن في مخيمات فلسطينية؟

تحاول الكاتبة من خلال هذا التحقيق الوقوف على أسباب تفضيل اللاجئون السوريون في لبنان السكن في المخيمات الفلسطينية بدلاً من المخيميات التي أنشأها السوريون انفسهم، أو بدلاً من السكن في أنحاء أخرى من لبنان ..  

banner
banner
الصورتين التقطتا من سطح أحد الأبنية في مخيم شاتيلا/تصوير أحمد منصور

نور عويتي

يعاني أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان من صعوبات بالغة التعقيد أهمها تأمين المأوى والسكن المناسب ، فلبنان ليس موقعاً على اتفاقية خاصة باللاجئين السوريين، مما لايعطي السوريين الموجودين داخله صفة اللاجئ، وإنما صفة النازح؛ وانعكس ذلك على الشكل العمراني للأماكن الذي اتخذها النازحين مأوى لهم.

فبسبب عدم توقيع لبنان على الاتفاقية الخاصة باللاجئين، لم يتمكن السوريون من بناء مخيمات قانونية تجمعهم. وأما المخيمات الحالية للاجئين السوريين في لبنان، فهي تكونت من خلال التجمعات أو صلات القربى بين ساكنيها، حيث استأجر اللاجئون السوريين بعض البقع على الأراضي اللبنانية لنصب خيامهم، ويتراوح أجر هذه الأراضي ما بين 700 و800 دولار أمريكي سنوياً؛ وتقوم بعض المنظمات مثل UNHCR وworld vision بتأمين بدل الإيجار لبعض المخيمات.ولم يتمكن اللاجئون من تحويل تلك الخيام إلى مساكن أو مكان مؤهل أكثر للإقامة، فبسبب عدم توقيع لبنان على الاتفاقية آنفة الذكر، تم منع السوريين من إجراء عمليات الحفر أو البناء واستخدام المعادن أو البلوك بعلو يتجاوز 40 سم، وتم تحديد المواد المستخدمة في بناء الخيم بالشوادر القماشية والأخشاب.

تلك التعليمات جعلت من الخيام مأوى يفتقر للمقومات الأساسية للحياة، حيث أن الخيام لاتحمي سكانيها من التقلبات المناخية في الأرض الجرداء، وخاصةً في فصل الشتاء، فيعاني السوريون من البرد والثلج وطوفان المياه، إضافةً إلى مشاكل الصرف الصحي وتجمع الفضلات، ورغم ذلك تبقى تلك الخيام الخيار الوحيد أمام النازحين الذين لا يملكون المال.

رغم تشابه الخيام في تكوينها، إلا أن الثقافة الاجتماعية  لمقيميها لعبت دوراً كبيراً في تشكيل شكله العمراني الحالي؛ فبحسب دراسة قامت بها الباحثة آلينا عويشق، حملت اسم “البيئة المعمارية واللاجىء السوري”،  فإن غالبية سكان تلك المخيمات هم من الأرياف، وتحديداً ريف دمشق أو حمص، وكثيرون منهم هم من سكان المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان، وأغلب هؤلاء السكان كانوا يملكون بالقرب من منازلهم بساتين أو حدائق صغيرة خاصة، يقومون بزرعها، وذلك ما أثر على شكل هذه الخيام، فأغلب اللاجئين قاموا ببناء بلاكين أو شرفات خاصة بخيماتهم، وهي مسافة تفصل بين غرفة المعيشة الرئيسية والمحيط الخارجي،  يملؤونها بالمزروعات المختلفة، وتكون مساحة حرة لاستقبال الرجال، بينما تبقى النساء مرتبطة بالقسم الداخلي للخيمة، وتعب الأطفال في هذه الفسحات والمسافات الضيقة بين الخيم؛ وذلك ما يؤكد على محاولات اللاجئين السوريين المستمرة لتكييف أماكن سكنهم بما يتناسب مع ثقافتهم.

وأما بالنسبة للنازحين السوريين الذين يتمتعون بإمكانيات مادية أفضل نسبياً، ويستطيعون أن يدفعوا مبلغاً من المال، ما بين 200 – 400 دولار أمريكي شهرياً، فإنهم لا يفضلون السكن في تلك الخيام التي أنشأها اللاجئون السوريون، وإنما ذهبوا إلى الأحياء الشعبية اللبنانية أو الأرياف البعيدة عن العاصمة بيروت، ليبحثوا عن مأوى. ولكن الملفت للنظر في هذه الفئة، أن نسبة كبيرة منهم فضلوا الإقامة في المخيمات الفلسطينية في ضواحي بيروت، ولاسيما مخيمي شاتيلا و برج البراجنة، اللذان يشكلان أكبر تجمعين للاجئين السوريين في محيط بيروت. وقد يكون السبب في ذلك، متعلقاً بالشبه الكبير بين فضاء المخيم العمراني، والفضاء العمراني لمساكن اللاجئين السوريين الأصلية، فالمخيم يتكون من منازل واسعة وتتخللها حارات ضيقة، ويسيطر الذكور على الفضاء الخارجي، بينما تسيطر النساء على الفضاء الداخلي، وهو الشكل ذاته الذي كان سيتحقق لو أن اللاجئين هم من بنوا المخيم، بحسب بحث ألينا عويشق. وأما الخبير العمراني محمد حمدون، فإنه يرى بأن البنية الاجتماعية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين لا تلعب دوراً فعالاً بجذب اللاجئين السوريين إليها، ويقول: “إن الأمر ببساطة يتعلق ببحث السوريين عن مسكن آمن، فالبيوت التي أنشأها اللاجؤون الفلسطينيون هي أفضل من تلك الخيم التي سمح لللاجئين السوريين باستخدامها، فهي قادرة على إعطاء السوريين الشعور بالأمان، وحمايتهم من عوامل الطبيعة، وبالإضافة لذلك، فإن وجود عدد كبير من السوريين في هذه المخيمات، سيجعل الوافدين الجدد يفضلون السكن بالقرب منهم، لأن التجمعات ستبعث شعوراً يتعلق بالأمان، بالإضافة لكون أجار البيوت في هذه المخيمات رخيص نسبياً”.

ونوه حمدون إلى أن السكن بالمخيمات آنفة الذكر متعلق بسكن العمال السوريين فيها قبل الحرب، فيقول حمدون: “إن العمال السوريين الذين كانوا يعملون بالبناء قبل الثورة السورية، كان عدد كبير منهم يعيشون في مخيم شاتيلا، ومع بداية الحرب، جلبوا عائلاتهم إليهم، فتحول المخيم لأكبر تجمع للسوريين في وقت قصير، مما جعل نسبة كبيرة من السوريين يفضلون السكن فيه”.

إلا أن الحديث عن الشعور بالأمان، قد يبدو غريباً ومتعارضاً مع سمعة تلك المخيمات، والحوادث التي نسمع عنها كل فترة في المخيم؛ فوجود مكبات للنفاية داخل أحياء المخيمات، ووجود كم كبير من القوارض فيها، يجعل من المكان غير آمن على المستوى الصحي؛ وكذلك فإن أشرطة الكهرباء الهوائية، التي تحجب أشعة الشمس بسبب كثافتها، وتسببت من قبل بموت العديد من الأشخاص وبينهم أطفال؛ إضافةً لمشاكل الصرف الصحي التي لا تنتهي، ومشكلة المياه ذات الملوحة العالية، التي تجعلها غير صالحة للطهي أو التنظيف. كل هذه العوامل تجعلنا نتساءل: لماذا يفضل بعض السوريين السكن في هذه المخيمات بدلاً من السكن بأرياف لبنان وجباله، التي تتمتع ببيئة صحية، ولا تختلف أسعار إيجار البيوت فيها عن المخيم؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، قمنا بجولة استقصائية في مخيم شاتيلا لمعرفة آراء اللاجئين السوريين، وقابلنا أبو علي، وهو رجل أربعيني يعيش في مخيم شاتيلا مع عائلته المكونة من سبعة أفراد، وقال: “لقد اعتدنا على الحياة في المخيم، ولا نفكر في مغادرته إلا بحال تمكننا من السفر، فأنا هنا قادر على العمل في سوق صبرا، ولا توجد سلطات أمنية تمنعني من ذلك، بينما يتم التضييق على السوريين في القرى البعيدة، ويحظر عليهم التجول في بعض الأحيان، ولذلك أعتقد بأن السكن هنا أفضل”، ويضيف أبو علي: “في مخيم شاتيلا، نحصل على العديد من الأمور الجيدة، فبعض المنظمات تقدم لنا معونات غذائية، والأهم أن أولادي هنا يذهبون يومياً إلى المدرسة، التي تبعد عن البيت شارع واحد”.

وأما خالد اليوسف، وهو رجل في الثلاثين من عمره، فأخبرنا عن أسباب مكوثه في المخيم: “إنني أعيش مع عائلتي المكونة من 5 أفراد في غرفة واحدة، بالقرب من مكب النفايات، ونحن ندفع 100 دولار شهرياً مقابل هذه الغرفة، ولا أشعر بأن الحياة في المخيم مقبولة، ولكنني جربت من قبل السكن في منطقة مزبود، وكنت أدفع شهرياً 225 دولار أمريكي. وهناك كنا نعاني من البرد بشكل دائم، مما كان يزيد من مصروفنا، بالإضافة لصعوبة المواصلات والتنقل هناك، فكان يتوجب علي للبقاء في مزبود أن أشتري سيارة أو موتوسيكل، وهو أمر كنت عاجزاً عنه، وذلك ما دفعني للانتقال رفقة عائلتي إلى شاتيلا”.

ونوه محمد السعيد إلى أن الدافع وراء بقائه في مخيم شاتيلا يكمن في الوضع الأمني للمخيم، فقال: “هنا في شاتيلا، لا يطلب منك أحد أوراق الإقامة، كما أن الدرك اللبناني لا يدخلون لمنطقة المخيم، مما يجعلنا نشعر بحرية أكبر في التنقل والتصرف مع الآخرين”.

ومن جهتها، فإن منظمات المجتمع المدني تحاول أن تتدخل بشكل مستمر لتحسين وضع السكن في المخيمات الفلسطينية، ففي مخيم شاتيلا تتواجد بعض المنظمات المحلية التي تهتم بالأمر، ومنها منظمة “بسمة وزيتونة” التي نظمت برنامج خاص بها لترميم منازل السوريين والفلسطينيين على حدٍ سواء؛ وأمدنا الشاب فادي الخوري، الذي يعمل في المنظمة الآنفة الذكر بقسم الترميم عن الطريقة التي تتدخل بها المنظمات لتحسين وضع اللاجئين فيما يتعلق بالسكن، وقال: “إننا نقوم بدراسة الطلبات قبل أن نقدم المساعدة، فندرس حالة العائلة الاجتماعية كما ندرس حالة المنزل”، وأضاف: “أغلب المساعدات التي نقدمها في المخيم تتعلق بالكهرباء، بسبب وضعها السيء، كما أننا نقدم بعض الخدمات المتعلقة بالصرف الصحي والباطون والدهان والنجارة أحياناً”. ومن خلال زيارة الخوري لمنازل اللاجئين السوريين والفلسطينيين، قدم لنا شهادة ميز فيها بين بيوتهم، فقال: “منازل اللاجئين الفلسطينيين يغزوها الطابع السياسي، فهي مكتظة بالأعلام وصور الشخصيات السياسية العريقة، بينما تجد أن منازل السوريين تهرب من هذا الطابع، وكذلك فإن منازل الفلسطينيين مليئة بالتفاصيل، في حين أن منازل السوريين تبدو فارغة لحدٍ ما، وكأن السوريين يتعاملون مع المكان كمحطة سيتركونها بعد زمن قصير، فهم لا يهتمون بالديكور أو إضفاء طابعهم الخاص أو ثقافتهم على المنزل”.

وجدير بالذكر أن دخول السوريين إلى مخيمات الفلسطينيين في ضواحي بيروت، ادى لتغير شكلها العمراني، فمنذ أن وفد السوريون إلى المخيمات، وجد أصحاب العقارات بذلك فرصة جيدة للاستثمار، فبدأوا ببناء طوابق إضافية للأبنية القديمة، فتوسع المخيم عامودياً، ولا تعتمد عمليات التوسع العمودية على دراسات هندسية، وإنما تعتمد غالباً على خبرة عاملي الباطون، وهو ما قد يتسبب في السنين القادمة بكوارث بشرية أكبر؛ ولذلك تجد معظم الأبنية تحتوي على طابق أو طابقين في أعلاها مبنيين من البلوك، ولا تتناسب بشكلها مع باقي أجزاء البناء المطلية من الخارج. بالإضافة لمساهمة السوريين بتغيير أشكال الأسواق التابعة للمخيمات، فغزتها البضائع والعمالة السورية.