مخيم الجبل: مسافة كيلومتر ونصف تفصلنا عن العالم

” يعيش سكان مخيم الجبل في عزلة عن العالم الخارجي لا يربطهم به سوا جرار زراعي. “

%d9%85%d8%ae%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d9%84-%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%84%d9%88%d9%85%d8%aa%d8%b1-%d9%88%d9%86%d8%b5%d9%81-%d8%aa%d9%81%d8%b5%d9%84%d9%86%d8%a7-%d8%b9
[مخيم الجبل - مدينة جرابلس - ريف حلب - 10-1-2017(خليفة الخضر/صباح الخير سوريا)]
<

ينقل نازحي المخيم أطفالهم المرضى إلى مشفى جرابلس الميداني باستخدام جرّار زراعي مخصص أصلاً لنقل المياه، وهي الآلية الوحيدة التي تنزل إلى المدينة من الجبل

div dir="rtl" style="line-height: 1.2; margin-top: 5pt; margin-bottom: 5pt; text-align: right;">خليفة الخضر-ريف حلب الشمالي: لم يبق للطفل “ثامر” صديق يذكّره بمنزله في مدينة منبج (ريف حلب الشرقي) سوى نعجة صغيرة رمادية اللّون يمسح على صوفها بيده الصغيرة و يقضي معظم يومه في إطعامها والعناية بها. هذا الصبي إبن الحادية عشر عاماً يعيش مع والديه وأخته “عزيزة” ذات الأعوام الأربعة نزوحهم الثاني داخل بلدهم.
كانت الأسرة تقطن في قرية “رسم النفل” التابعة لمدينة السفيرة بريف حلب الجنوبي الشرقي. وفي صيف العام 2013 تقدمت قوات النظام مدعومة بميليشيات حزب الله اللبناني وكتائب أبي الفضل العباس العراقية لتسيطر على القرية وتقتل 191 من أهلها أسماءهم موثّقة لدى المنظمات الحقوقية، جرى حرق جثثهم والتمثيل بها قبالة منازلهم الطينيّة.
وكما يعقب أحمد والد ثامر: “تم رمي جثث الأهالي في آبار المياه”.
نزح الصبي مع عائلته إلى مدينة منبج مع كيسين كبيرين من المتاع ونعجة حديثة الولادة أصرّ ثامر الصغير على أن يحملها معه. وما أن استقروا في نزوحهم الجديد حتى بسط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) سيطرته على قرى ومدن الريف الشرقي والشمالي الشرقي لمحافظة حلب بعد معارك طاحنة مع الجيش الحر.
في الشهر السادس من عام 2016 تقدمت قوات سوريا الديمقراطية (بقيادة كردية) المدعومة من قبل قوات التحالف الدولي تجاه مدينة منبج بريف حلب الشرقي وكانت قد حاصرت المدينة طيلة شهر. تم تدمير المنزل الثاني لعائلة ثامر أثناء المعارك مما اضطرهم للنزوح مرّة جديدة مع بعض عائلات حارتهم تجاه قرى مدينة جرابلس، لينضموا إلى “مخيم الجبل”.
في خيمة على رأس تلّة مرتفعة في مدينة جرابلس تقطن اليوم عائلة ثامر وعشرات العائلات السورية في مخيم عشوائي أنشئ على عجل وبدون أي تنسيق مسبق. شيد والد ثامر خيمته والتصق بالخيم العديدة الأخرى منتظراً “فرج الله” على حد تعبيره، محدقاً بابنه ثامر مواصلاً الكلام: “نريد خيمة لا يقصفها الطيران ولا نريد بيت حجري يقصفه الطيران”.
الهدوء يخيم على هذا المكان لا تقطعه سوى تكّات ساعة حائط مركونة فوق صندوق خشبي في زاوية الخيمة كان ثامر يراقبها بينما والدته تضم أخته عزيزة على صدرها وتقول: “الوقت يمضي بطيئاً هنا فلا مدرسة يذهب إليها الأطفال ولا ألعاب تشغلهم أو تسليهم”.
يبعد الجبل عن مركز مدينة جرابلس مسافة واحد ونصف الكيلو متر، وهي مدينة تعدّ مكاناً أمناً استقطبت آلاف النازحين في السنوات الخمس الأخيرة فغصّت بساكنيها.
أما في المخيم، فهناك بحسب تقديرات المجلس المحلي لمدينة جرابلس حوالي ألفي نازح، والعدد مرشح للزيادة، حيث تلتقي حلب مع منبج مع قرى ومدن سورية أخرى شتت شملها القصف.
يبدو المخيم المرتفع عن سطح الأرض معزولاً تماماً عن العالم، لشح الخدمات فيه وانقطاع المنظمات الإغاثية عن زيارته إلا فيما ندر.
فبحسب توصيف سكانه الذين اجتمعوا حول خيمة ثامر لبثّ شكواهم، فإن الأطفال هنا عرضةً للأمراض وسوء التغذية، يستحمون في حمامات مشتركة عددها غير كافٍ وتتطلب الوقوف في صفّ الانتظار طويلاً خصوصاً في ساعات الصباح، كي يدخلونها.
ويضيف والد ثامر أن “مياه الصرف الصحي تتجمع في جورة ترابية تم حفرها على سطح الجبل وتسبب أمراضاً وأوبئة”.
لكن المشكلة الأبرز تبقى في شحّة وسائل التدفئة رغم البرد القارس الذي تشهده المنطقة المرتفعة في فصل الشتاء وهبوب الرياح التي تقلع أوتاد الخيام، فيلجأ النازحون إلى إحراق كل ما تيسر، حتى علب البلاستيك وأكياس النايلون، لتدفئة أبدانهم المرتجفة.
“نستيقظ صباحاً والصقيع على سطح الخيمة بسماكة الأصبع”، يصف والد ثامر شدّة البرد ويواصل: “نقوم بتغطية الحيوانات بالأغطية خوفاً عليها من الموت”.
ومع كثرة الأمراض المصاحبة لفصل الشتاء ينقل نازحي المخيم أطفالهم المرضى إلى مشفى جرابلس الميداني باستخدام جرّار زراعي مخصص أصلاً لنقل المياه، وهي الآلية الوحيدة التي تنزل إلى المدينة من الجبل وتعود إذ لا تتوفر فيه نقطة طبية ولا سيارة إسعاف ولا حتى سيارات مدنية واحدة.
الحديث الوحيد الذي يدور هنا هو عن سوء الخدمات الإغاثية “فالمنظمات نسيتنا ومجلس مدينة جرابلس لا يضعنا في سلم أولوياته” يقول والد ثامر الذي ينتظر منذ أشهر أن يتحرك المجلس البلدي لتحسين الوضع، ولو قليلاً.
يعلق محمد حبش رئيس المجلس المحلي في مدينة جرابلس على وضع الخدمات بالقول إن “جرابلس لم تعد تستوعب الأعداد الهائلة من النازحين سواء من سوريا أو العراق، فتم إنشاء المخيم”، مضيفاً أن المجلس “يعمل بالتعاون مع الجانب التركي على توفير الخدمات للنازحين” وأنه قام باستحداث مكتب التنسيق والمتابعة، مهمته التنسيق مع المنظمات لمساعدة الأهالي وتأمين الماء والكهرباء لهم.
ويقر الحبش بالأوضاع الصحية المتردية لساكني مخيم الجبل ويتابع “لا زلنا في طور التأسيس والأعداد الهائلة فوق طاقتنا كمجلس محلي لمدينة صغيرة”.  
كلمات المسؤول الحكومي هذه لا تحمل عزاءً لثامر أو لبقية الأطفال، فالوعود قائمة منذ أشهر بإنشاء مخيم تموّله الحكومة التركية يتوفّر على مدرسة وساحات لعب للأطفال وخدمات أساسية، لكنها لم تتحقق إلى اليوم.
كل ما هنالك أن الشمس تغيب يومياً عن مخيم الجبل وتختفي خيمة ثامر و أهله و خيام نازحي الجبل في ظلام الليل البارد، تنتظر من يسلط الضوء عليها ويراها.