معرض في زمن الحرب

بعد خمسٍ عجاف، يعود معرض دمشق الدولي إلى الواجهة من جديد….. تقرير برنامج المعرض، ودلالات إقامته في هذا العام بالذات، من وجهة نظر ناشط دمشقي  

%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d9%81%d9%8a-%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8
مشاهد من حفل افتتاح معرض دمشق الدولي.. 17 آب 2017

زين الشام

بعد مرور خمس سنوات من جفاف الفعاليات الاقتصادية أو الاجتماعية المؤثرة، وجد النظام السوري ضالته في معرض دمشق الدولي، وهو ” من أقدم المعارض في الشرط الأوسط، إذ نظمت أول دورة عام 1954، وكان يقام، قبل عام 2004، في مدينة المعارض القديمة، الواقعة بالقرب من ساحة الأمويين وسط دمشق.

وتوقف المعرض بعد عام من بدء الثورة السورية، نتيجة الأوضاع الأمنية، ليعود بحلة مختلفة في عام 2017، حيث جعل منه النظام إنجازا جديدا يتسق مع إنجازاته الحاصلة على الأرض، ويقوّي من خلاله موقف وفده السياسي في المفاوضات مع المعارضة أمام حلفائه، حيث وجه من خلال إعطاء المعرض ضجة كبيرة رسالة حمالة للمعاني لكثير من الأطراف يقول من خلالها أن الشعب اليوم فقط ينتظر المعارض والفعاليات حتى يخرج ويرفه عن نفسه، وبالتالي فالنظام الحالي هو أفضل خيار أمام الشعب وهو قادر بمجرد انتهاء الحرب على توفير البيئة التي يحلم بها السوريون (ماء – كهرباء – شوارع نظيفة – فعاليات – مهرجانات – مشاوير) ، و لا ننكر أن هذه الخطوة التي قام بها النظام، أخذت ضجة إعلامية محلية ملموسة، وإقبالا جماهيريا واسعا، مع آلاف الزوار كل يوم، حيث حشد وزاراته كلها للمشاركة في هذا “العرس الوطني”، فعلى سبيل المثال قامت وزارة النقل بإعادة طلي شوارع العاصمة الرئيسية وتغيير إنارة الشوارع الرئيسية وتوسيع بعض الطرقات (طريق المعرض القديم) بالإضافة إلى مشاركة معظم الوزرات بأجنحة ضخمة وملفتة ضمن المعرض، الذي افتتحه رئيس مجلس الوزراء، بمشاركة وزراء سوريين ولبنانيين، كل ذلك في محاولة حثيثة لإعطاء المعرض رسالة سياسية واضحة، تقول بأننا هنا، وسنبقى، وها نحن عدنا بقوة من جديد.

الدول المشاركة في المعرض، حلفاء وأعداء
ومما يلفت النظر حقا مشاركة 43 دولة عربية وأجنبية في المعرض، منها 23 دولة حافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق وتربطها بها علاقات اقتصادية وسياسية قوية وبعضها يعتبر من أشد حلفاء النظام دفاعا عنه، مثل روسيا وإيران والصين والعراق وفنزويلا.
كما حضرت شركات بصفة خاصة من 20 دولة أخرى قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، رغم فرض واشنطن وبروكسل عقوبات اقتصادية ضد سوريا.
وكان لافتاً مشاركة الأردن والإمارات والبحرين بالرغم من الموقف الرافض للنظام السوري، بل وربما بترحيب من الجانب السوري، فهو يبحث عن أي فرصة تعيد تأهيله وتصديره أمام حلفائه ومؤيديه ولو على مستوى معرض محلي بعد ست سنين حرب أثرت على وجوده في العمق.

برنامج فني بلون العلم السوري وبلون لباس العسكر
يلاحظ المتابع للبرنامج الفني للمعرض أن الفنانين المشاركين جميعهم هم من الموالين للنظام، حيث غنى جميع الفنانين المشاركين أغاني تمدح سوريا وقيادتها وجيشها مثل وفيق حبيب و أيمن زبيب، معين شريف، فارس كرم، علي الديك، وقد حضر عشرات الآلاف من الناس حفلاتهم التي كانت مجانية، علما أن بعضا من الفنانين المميزين رفضوا الدعوات التي أرسلت لهم للمشاركين في المهرجان مثل فيروز وجوليا بطرس وغيرهم….
ومع احترامنا لجميع الأسماء المشاركة في الذي أقيم أخيرا، إلا أننا لا نستطيع أن ننسى أن فعاليات المعرض الفنية قد شهدت سابقا مشاركة واسعة من قبل كبار الفنانين العرب مثل فيروز وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وماجدة الرومي وغيرهم ، أولئك الذين كان الجميع يلتف حولهم، حيث لا تصنيفات ولا ولاءات بلون الدم.

إصلاحات ترقيعية في “واجهة البلد“
باعتباره الواجهة الأساسية للبلد أثناء استقبال رجال الأعمال والشركات العالمية، طالت مطار دمشق الدولي إصلاحات عدة، بدأها رئيس الحكومة عماد خميس بزيارة، قال إنها “سرية” تفقدية لأحوال المطار والمسافرين.
زيارة خميس أسفرت عن إقالة مدير المطار، الاثنين 14 آب، بعد مظاهر “التسيّب والإهمال” التي شاهدها بعينه، بحسب روايته، على شاكلة “يوميات مدير عام”، مستندًا إلى شكوى تقدمت بها إحدى المسافرات، قالت إنها لم تلقَ أي اهتمام من موظفي المطار.
اعتبر مواطنون أن الفيديو، الذي انتشر أثناء لقاء خميس بالمسافرة، مجرد “مسلسل” لإثبات أن الحكومة بصدد محاربة الفساد، على اعتبار أن المسافرة تكلمت بلهجة “فوقية” مع شخصيات “اعتبارية” في الحكومة، متسائلين عن الصدفة التي جمعته بها.
ولا يخفى على أي مواطن سوري مدى التباطؤ بإصلاحات المرافق إلا عند الضرورات، كذلك من نافل القول إن محاربة الفساد بناء على شكاوي المواطنين هو شيء نسمع عنه دائما في الجرائد المحلية ونشرات الأخبار، لكن السوريين لايعرفون معناه على الأرض إلا في المسلسلات والأحلام

فضائح وعثرات
تخلل افتتاح المعرض أخطاء عدة على مستوى التنظيم والأداء خالفت التوقعات بأن يكون الافتتاح أكثر حداثة وتنظيمًا بعد غياب سنوات، ندرج بعضها ونترك التعليق للقارئ:

كلمة الافتتاح “تليق بطالب ابتدائي”:
أحدثت كلمة رئيس وزراء حكومة النظام السوري، عماد خميس، أثناء افتتاح المعرض ضجة إعلامية بعد الأخطاء الإملائية والنحوية والهجائية التي لم يستطع السيطرة عليها خلال ربع ساعة من وقوفه وراء المنبر، وبحضور وفود عربية وعالمية.
وانتقد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي طريقة الإلقاء التي لا تليق بمنصب رئاسة الوزراء، ولا بمعرض دولي كهذا.
وبدا الملل واضحًا على وجوه الحضور الذين انشغل بعضهم بالأحاديث الجانبية، فيما أظهرت الكاميرات وزير الصناعة اللبناني، حسين الحاج حسن، النائب عن “حزب الله”، يتثاءب أثناء إلقاء كلمة الافتتاح، التي بدا تلبّك خميس واضحًا فيها.
ولا يملك المتابع السوري لما يجري إلا الشعور بالخجل والإحباط، فكيف يمكن أن يكون واجهة بلده عاجزا عن إلقاء كلمة من دون أخطاء لمدة خمسة عشر دقيقة، ما بالكم لو ألقيت على عاتقه مهمات أشد أهمية.

الزوار عادوا بالشاحنة:
نقلت شاحنة عشرات المواطنين من زوار المعرض، قالوا إنهم انتظروا كثيرًا الباصات المخصصة لنقلهم ولم تأتِ.
ونشرت إذاعة “المدينة اف ام” صورًا حصرية للشاحنة التي تقل العشرات، واتهم بعضهم إدارة المعرض بسوء التنظيم بعد الحملات الإعلانية والتسويقية التي روجت لها على مدى أشهر.
ما اضطر إدارة المعرض لتلافي المشكلة المربكة والمسيئة بحق الزوار وتخصيص باصات أكثر!

:شعب يحب التذوق
ومن العثرات التي يمكن ذكرها افتتاح جناح خاص يدعى “جناح التذوق”، والذي يتضمن منتجات غذائية مختلفة، يستطيع من خلالها الزوار تذوق مختلف المنتجات المعروضة مجاناً، وقد شهد هذا الجناح إقبالاً حاشداً، ما اضطر منظمي الجناح إلى إغلاقه بعد 30 دقيقة على الافتتاح.
افتتاح هذا الجناح أثار سخرية الكثير من المتابعين، حيث نشر محمود سليمان على صفحته على فيس بوك قائلاً «يا عمي شعب بحب التذوق»، وكتب آخر «حشود كبيرة منشان التذوق.. بيعرفونا منعرف طعمة تمنا!».
و لا يمكن أن نضع اللوم على الزوار الذين يعانون بمجملهم أصلا من الظروف المعيشية القاسية ، وبالتالي تصرفهم متوقع، لكن اللوم يقع على المنظمين الذين لم يعرفوا أن يفتتحوا هكذا جناح بطريقة مدروسة لا تسيء لصورة شعب يعاني ويلات الحرب من سبع سنوات.

تغطية بلا صحفيين
اشتكت جهات إعلامية محلية من عدم السماح لها بتغطية افتتاح معرض دمشق الدولي، رغم الحملات الترويجية والتسويقية التي نظمتها قبيل افتتاح المعرض.
وقال موقع “B2B-SY” الاقتصادي إن فريقه منع من الدخول إلى المعرض وتغطية الفعاليات بعد انتظار أربع ساعات في الخارج، مشيرًا إلى أن معظم الصحفيين منعوا من الدخول رغم الإفصاح بأنهم صحفيون.
وجاء في منشور للموقع، عبر صفحته في “فيس بوك”، “شكرًا للجنة الإعلامية ولجنة الاستقبال على هذه المعاملة، أهذا ما يستحقه الإعلاميون والصحفيون؟”.
ويبدو أن للنظام السوري مشكلة مع الإعلام عموما، حتى من اهل بيته، لاسيما تلك المحلية، ويتساءل المرء إن كان السوريون لم يستطيعوا أن يحصلوا هذا المكسب بعد ست سنين من الصراع والدم، كيف سيكون حالهم مع بقية الحقوق.

أخيرا:
للأسف لم تمض جميع أيام المعرض على خير، إذ قتل أربعة مدنيون وجرح آخرون، إثر سقوط قذيفة صاروخية سقطت على الباب الداخلي للمسرح، بعد يومين من افتتاح المعرض، بينما مرت بقية الأيام بسلام.