من الجوع إلى الردة

” سكان أحياء دير الزور المحاصرة أمام خيارين: إما البقاء تحت ظلم النظام السوري أو الهروب إلى مناطق تنظيم الدولة الإسلامية حيث سيتم محاكمتهم. “

%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%b9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d8%a9
(الصورة: فيديو نشره تنظيم الدولة الإسلامية تحت عنوان "دماء الجهاد 1_تخريج أول دفعة من معسكر الشيخ أبي عزام الأنصاري" - 2014-10-12 (Karl Ludwig Poggemann via Creative Commons CC BY 2.0))
<

“كلامك صحيح لكنهم (المدنيون المحاصرون) يُعتبرون من المرتدين عن دين الله بسبب تواجدهم تحت حكم النظام وعندما سندخل تلك المناطق سنحكم بشرع الله عليهم ولن نرحم أحداً.”

div>(عنتاب، تركيا) أصبحت حياة سكان دير الزور في مناطق النظام المحاصرة كارثة إنسانية تحت ظلم القوى الأمنية والعسكرية، في حين القليل من المدنيين الذين استطاعوا الخروج منها تعرضوا لأسوأ المعاملات على يد تنظيم الدولة الإسلامية.
دير الزور مدينة تقع على ضفاف الفرات يحد النهر مدخلها الشرقي ويحيط بها جبل المقابر من الغرب، حيث يقع  الجيش السوري الذي يسيطر أيضاً على الأحياء الغربية والشمالية للمدينة.
ومن الطرف الآخر، يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على كامل ريفها وعلى رقعة واسعة من الأحياء في منتصف المدينة، ولكن لا تملك الجماعة التكفيرية إلا مدخلاً واحداً إلى وسط دير الزور، وهو المدخل الشرقي (جسر السياسية)، بينما يحيطها النظام من ثلاث جهات.
ويستعمل النظام الجبل لقصف الأحياء التابعة للتنظيم بالمدفعية الثقيلة وهو يشكل أيضاً طريق إمداد من مطار دير الزور إلى الأحياء الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام السوري (الجورة والقصور)، وبالمقابل يحاصر تنظيم الدولة هذه الأحياء بفضل سيطرته على الريف ويمنع عنها جميع أنواع الأغذية، ولذلك يجوع أربع مئة ألف نازح من أولئك الذين لاذوا بتلك المناطق خوفاً من قصف النظام.
رامي (1) أحد النازحين من المناطق المحاصرة أخبر صباح الخير سوريا عن الوضع المعيشي هناك في لقاء عقد في مدنية عنتاب التركية. “منذ بداية حصار تنظيم الدولة الإسلامية على الأحياء التابعة للنظام في كانون الثاني (يناير) 2015 ارتفعت أسعار المواد الغذائية بمعدل ثمانية أضعاف، هذا إن وُجدت في الأساس،” على حد تعبير رامي.
وحتى من يحاول الخروج من الأحياء المحاصرة يواجه الكثير من الصعوبات على حد قول السيد رامي الذي أوضح أنه “لا يوجد هناك إلا معبرين لدخول تلك الأحياء: الأول هو مطار دير الزور العسكري ويستعمله النظام لنقل الذخائر والإمدادات العسكرية والأطعمة للجيش والشبيحة والدفاع الوطني ولا يوجد هناك أي مخصصات للمدنيين المحاصرين، أما المعبر الثاني فهو طريق البغيلية عند حدود المدينة الغربية ويتم من خلاله النزوح إلى مناطق التنظيم لكن لا يستطيع أي مدني الخروج من ذاك الطريق إلا بعد الحصول على تصريح خطي من محافظ (دير الزور) من أجل عبور الحاجز الأخير للنظام، وتكلفة التصريح قد تصل إلى 150 ألف ليرة سورية (حوالي 500 دولار أمريكي) إضافةً إلى أن التنظيم لا يسمح بدخول أي مدني من ذلك الطريق.”
كان محمد صاحب محل أحذية في المناطق المحاصرة ولكن هرب منها واستقر في محافظة إدلب، ووصف محمد ظروف الحصار اللاإنسانية في مكالمة على سكايب قائلاً:  “إن ما يجري في تلك الأحياء لعنة غريبة غير مسبوقة: المدنيون يعانون من الفقر الشديد، من لديه راتب لا يكفيه خمسة أيام في الشهر بسبب غلاء الأسعار، الكهرباء مقطوعة منذ ثمانية أشهر، لا يوفر النظام أي رعاية صحية ولا يهتم بالمدنيين المحاصرين.”
النظام أيضاً لا يسمح لهؤلاء المدنيين بالخروج من هذه الأحياء ليقوم باستغلالهم مادياً وفقاً لشهادة محمد. “في شهر أيار (مايو) من عام 2015 كنت في محلي المتواجد في شارع الوادي في حي الجورة لما دخلت دورية تابعة للأمن العسكري ليشتري عناصرها أحذية لهم لكن بطريقتهم: اختار كل واحد حذاءً جديداً وتركوا لي الأحذية القديمة من دون دفع ثمن الجديدة. وعندما طالبتهم بنقود كانت أجرتي الضرب وتكسير المحل، الحمدلله لم يأخذوني إلى الفرع لأن الموت أرحم من دخول الفرع والتعذيب بأقبيته،” هكذا اشتكى صاحب محل الأحذية.
وعندما يستطيع أحد النزوح من المناطق المحاصرة ينتظره “استقبال” تنظيم الدولة، وهذا ما جرى مع طالب جامعة اسمه عبد الناصر الذي قال في حديثه مع صاح الخير سوريا: “في شهر أيلول (سبتمبر) عام 2015 استطعت الخروج من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق التنظيم وهنا كان الاستقبال والمعاملة جيدين جداً و(مقاتلوه) قدموا لي البسكويت والعصير.”
من ثم اقتاد عناصر التنظيم عبد الناصر إلى أحد المقرات الخاصة بالتحقيق في منطقة معدان لكي يتأكدوا من عدم انتمائه إلى أنصار النظام السوري. “عندما وصلنا إلى المقر تحولت المعاملة 180 درجة حتى أصبحت أشك بأن عناصر الحاجز وعناصر المقر ينتسبون إلى نفس التنظيم: بقيت محتجزاً لديهم 20 يوماً واتُهمت بالردة، وأجابوا على أسئلتي أثناء التحقيق بالإهانة والضرب المبرح،” هذا ما قاله الطالب.
ولكن كشف عبد الناصر بالصدفة ما يحلل تهمة الردة في عقول قادة التنظيم في اليوم الثاني عشر من احتجازه عندما استمع إلى مناقشة داخل الغرفة المجاورة بين الأمير الأول في تلك المنطقة وشخص كان يعمل كمخبر لصالح “الخلافة” في أحياء دير الزور المحاصرة.
وأكد المخبر بأن النظام يقمع معظم المدنيين المتواجدين في تلك المناطق “ولكنهم لا يستطيعون النزوح لأنهم يفتقرون إلى المال لرشوة المحافظ أو جنود الحاجز الأخير التابع للنظام.”
كما حدث المخبر الأمير، على حد قول عبدالناصر، عن وجود نسبة كبيرة من الشباب المتهربين من الخدمة العسكرية الذين يرفضون المشاركة في المجازر، ومع ذلك جاوبه الأمير: “إن كلامك صحيح لكنهم (المدنيون المحاصرون) يُعتبرون من المرتدين عن دين الله بسبب تواجدهم تحت حكم النظام وعندما سندخل تلك المناطق سنحكم بشرع الله عليهم ولن نرحم أحداً.”
وفي اليوم العشرين من احتجازعبد الناصر صادف عيد الأضحى وصدر قرار عن أبو بكر البغدادي أمير الجماعة التكفيرية بالإفراج عن عدد من المعتقلين في سجون الدولة الإسلامية وأطلق صراح عبد الناصر.
هذا هو حال أهالي ديرالزور المحاصرة في الوقت الحاضر: الطعام حلمٌ لهم والنزوح صعب للغاية ويتعرضون للضرب والاعتقال إذا تجاسروا على المطالبة بحقوقهم. والمفارقة الأكبر هي معاملة تنظيم الدولة لهم أثناء التحقيق مع أنهم ليسوا مؤيدين للنظام.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.