من سوق الجمعة إلى ساحة لتصريف المسروقات

” يسرق بعض عناصر ميليشيات النظام ممتلكات أهالي مناطق المعارضة بعد إعادة السيطرة عليها بصرف النظر عن آراء اصحابها السياسة، لتباع هذه البضائع بشكل علني في الساحل السوري الذي يقع تحت حكم دمشق. “

%d9%85%d9%86-%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d9%84%d8%aa%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%b1%d9%88%d9%82%d8%a7
(الصورة: تباع الأدوات المسروقة في سوق الجمعة - اللاذقية - 2016-2-5 (باسل الملاصباح الخير سوريا)).
<

“رأيت غرفة الجلوس التي اشتريتها قبل الحرب بعامين معروضةً في سوقِ الأدوات المستعملة، فاشتريتها مجدداً. بكت زوجتي كثيراً حين رأتها. في سوريا وحدها تدفع ثمن أثاث بيتِك مرّتين.”

div>(اللاذقية، سوريا) تؤدّي عادةً الحروب إلى تراجع القيم التي تحكم المجتمع، إذ يصبح الفرد أحياناً منشغلاً بذاته فحسب، ساعياً إلى تحصيل مكتسباتٍ شخصية لم تكن متاحةً قبلاً.
وفي اللاذقية تحديداً أصبحت البضائع المسروقة عماد تجارة البضائع المستعملة تحت مسمى “التعفيش” وهو مصطلح انتشر استخدامه في سوريا أثناء السنوات الماضية للدلالة على نهب المنازل والمحال التجارية في مناطق نزح عنها سكانها بسبب الحرب. والمتهم الأكبر في هذه التجارة قوات النظام أو مقاتلو مليشيات الدفاع الوطني التي تنهب المناطق التي تعيد السيطرة عليها. ويتم الإتجار بالبضائع المسروقة في أسواق مختلفة من المناطق الآمنة وبأسعار زهيدة.
كان سوق الجمعة في اللاذقية قبل بداية الحرب سوقاً بسيطاً يفترش تجاره الشوارع ببضائع مستعملة تقتصر على الألبسة الأوروبية وبعض الأجهزة الكهربائية والخردوات، أما الآن فقد أصبح الساحة الرئيسة في المحافظة لتصريف البضائع المسروقة.
وتشمل المسروقات أدوات المطبخ من ملاعق وصحون وأوانٍ وكؤوس وفناجين، وصولًا إلى قدور الطهو بشتى أنواعها والأدوات الكهربائية، فضلاً عن قطع الأثاث المنزلي والثياب الجديد منها والمستعمل. وكذلك يقوم مقاتلو النظام بفك الأبواب والنوافذ والتمديدات الكهربائية والصحية (من حنفيات وأنابيب وخزانات ماء)، وممتلكات المحال التجارية. وأفاد أهالي المنطقة أن حتى المساعدات الإنسانية الغذائية التي تصل تباع بشكل علني.
ويستثمر تجار الحرب وعملاء النظام في هذه الأزمة ليستغلوا حاجة المواطن “الدرويش” في ظل ارتفاع الأسعار، فلا حل أمامه سوى المواد المستعملة التي تباع بأسعار متدنية، فلك أن تشتري غسالة “زيروات” جديدة بـ 50 ألف ليرة سورية (ما يقارب 120 دولار في السوق السوداء)، في وقت وصل ثمن الغسالة الجديدة إلى ما يزيد عن 120 ألف ليرة (300 دولار)، كما يمكن أن تشتري سيارة محملة بالعفش المسروق بـ 40 ألف ليرة (96 دولار).
وينقسم الناس بين شارٍ لهذه المواد المسروقة بحجة أنه “إن لم تشتريها فسيشتريها غيرك” رغم معرفتهم بمصدرها، وبين رافض للشراء تماماً. ويؤكد بعض موالي النظام من جهتهم على ضرورة الانتقام من أهالي المناطق الثائرة حتى ولو بسرقة ممتلكاتهم.
أبو سامر (1) تاجر بضائع مستعملة مقرّب من عناصر الأمن يبلغ من العمر34 عاماً، يمر يوميًا على حواجز التفتيش ويلقى معاملة حسنة وتساهلًا ملحوظًا من العناصر، فيسمحون لسيارته المليئة بالمسروقات بالعبور إلى السوق من دون تفتيش مقابل القليل من المال. وبرر أبو سامر سرقاته بالقول: “إن ما نقوم به هو عمل حلال فجميع سكان هذه المناطق من المعارضة وكل يمتلكونه غنائم حرب وهذا ما يعطينا حرية التصرف بممتلكاتهم.”
كثيرة هي المناطق التي تعرضت للتعفيش بعد أن استعاد جنود النظام السيطرة عليها وكسب إحدى هذه المناطق الواقعة في الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية ذات الأغلبية المسيحية الأرمنية. أبو ماهر أحد سكان هذه المنطقة، لم يشفع له موقفه المعارض للثورة بحماية منزله من التعفيش، وتحدّث عن تجربته لـصباح الخير سوريا، قائلاً: “عندما وصلت الاشتباكات إلى كسب والمنطقة الشمالية (في الأشهر الأخيرة من 2013)، هربت مع عائلتي وحاولنا أن نخرج معنا الأوراق الثبوتية (جواز السفر أو البطاقة الشخصية)، ولم نكترث بجلبِ ملابسنا حتى وتركنا ورائنا كل ما نملك، ظناً منا أنّ القتال سوف يتوقّف سريعاً وأنّنا سوف نعود قريباً إلى بيوتنا؛ ولكن الحرب طالت في تلك المنطقة وخسرنا كل شيء. وبعد فترة اتصل بنا أحد الأقرباء الذين استطاعوا العودة مجدداً إلى كسب ليخبرني أن كل ما كان في البيت قد سُرق، وحتى الإضاءة تم فكها وبيعها.”
وتابع قائلاً: “من قام بسرقة بيوتنا مقاتلون يحاربون إلى جانب الجيش، فهم وحدهم بقوا في تلك المنطقة. ولم يفرقوا بين من يقف في صفهم او ضدهم بل قاموا بسرقة كل البيوت. هل جاؤوا ليدافعوا عن بيوتنا أم ليسرقوها؟” واختتم حديثه مضيفاً: “أن المفارقة أنّني رأيت غرفة الجلوس التي اشتريتها قبل الحرب بعامين معروضةً في سوقِ الأدوات المستعملة، فاشتريتها مجدداً. بكت زوجتي كثيراً حين رأتها. في سوريا وحدها تدفع ثمن أثاث بيتِك مرّتين.”
وبالرغم من انتشار تجارة البضائع المسروقة بشكل واسع في اللاذقية واطلاع معظم السكان على أوضاع السرقات، لم تتحرك أي جهة لضبط أوضاع هذه الأسواق تاركة المجال مفتوحاً أمام تجارها.

تم استخدام أسماء مستعارة لحماية المصادر.