مهجّرون من المدينة المحاصرة: ما بعد حلب ليس كما قبلها

” ماهي خيارات اهل حلب بعد تهجيرهم من بيوتهم ليتشتتوا في مناطق متفرقة. “

%d9%85%d9%87%d8%ac%d9%91%d8%b1%d9%88%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%ad%d9%84%d8%a8
[رجل يلتقط سيلفي مع ابنه بانتظار بدء عملية اجلاء سكان حلب-15-12-2016(اسماعيل عبدالرحمن/صباح الخير سوريا)]

بدت شوارع حلب فارغة تماما إلا من دخان السيارات و البيوت التي أحرقها أصحابها قبل خروجهم من الأحياء المحاصرة بينما قرر معظم الناس النوم على معبر الراموسة خوفا من تقدم النظام، يجمعون ما تيسر لهم من طحين وحطب ليخبزوا منه ما يقيتهم حتى قدوم الباصات.

هكذا يصف اسماعيل عبدالله أحد متطوعي الدفاع المدني الساعات الأخيرة التي أمضاها في حلب قبل بدء عملية إجلاء المدنيين و المقاتلين ضمن اتفاقية بين تركيا وروسيا في منتصف كانون الأول 2016، بعد التقدم الكبير الذي حققته قوات النظام والميليشيات المساندة له بدعم من الطيران الروسي.

لم يكن لإسماعيل أي تصور عن المرحلة القادمة بعد الخروج من حلب فالمراحل المعقدة التي مر بها الإخلاء وتوقفه لعدة مرات لأسباب متعددة جعلت تفكيره يتركز على الفترة التي يعيشها دون أي اهتمام بالقادم. “لم نكن واثقين أننا سنخرج أحياء، فثقتنا بالنظام والروس معدومة. كان تفكيري هو كيف سأقاوم إن قرروا اعتقالنا وماهي احتمالات نجاتنا” يقول اسماعيل.

كان وصولهم إلى أول حاجز للمعارضة هو بر الامان الذي أتاح لهم التفكير في ما هو قادم حسب قوله. “في تلك اللحظة بدأنا نفكر إلى أين سنذهب؟ كان الجميع في الباص يطرح نفس السؤال”. التقى اسماعيل بزملاء له في الدفاع المدني اصطحبوه إلى المقر الرئيسي للدفاع المدني حيث أمضى الأيام الأربعة التالية.

في الثالث والعشرين من كانون الثاني أعلنت اللجنة الدولية للصليب الاحمر عن إنجاز عملية إجلاء عشرات الآلاف من سكان حلب إضافة إلى مقاتلي فصائل المعارضة المتواجدين فيها.

اليوم وقد خرجنا من حلب لم يعد ممكنا الحديث عن نصر، والمستقبل بالنسبة لنا غامض كليًا، لا يمكنني العودة للعيش تحت ظل النظام وكي لا اضطر لذلك قررت الخروج إلى تركيا

أمضى اسماعيل تلك الايام يبحث عن أصدقائه ويتأكد من وصولهم سالمين ليبدأ بعدها بالتفكير في المرحلة القادمة، ما بعد حلب.

كان لدى اسماعيل خيار البقاء في الدفاع المدني في الريف الغربي دون أن تكون له أي فائدة “فعدد عناصر الدفاع في الريف الغربي أكثر من كافٍ و لا حاجة لهم بعنصر جديد”، أو السفر إلى تركيا والبحث عن عمل وحياة جديدين، وهو القرار الذي اتخذه أخيرا لأسباب عديدة. “لقد أصبحت في الثلاثينيات من عمري ولازلت كما كنت قبل عشر سنوات بلا عمل مستقر”.

بالنسبة لإسماعيل فكل ذلك كان معلقا لأجل حلب، “اليوم وقد خرجنا من حلب لم يعد ممكنا الحديث عن نصر، والمستقبل بالنسبة لنا غامض كليًا، لا يمكنني العودة للعيش تحت ظل النظام وكي لا اضطر لذلك قررت الخروج إلى تركيا”.

يحاول الكثير من سكان حلب المهجرين حديثا التوجه إلى تركيا بحثا عن الأمان والاستقرار الذي افتقدوه طيلة الست سنوات الأخيرة، سالكين طرق التهريب الوعرة والخطيرة في ظل استهداف قوات حرس الحدود التركية للهاربين من الحرب في سوريا باتجاه الأراضي التركية عبر طرق التهريب.

اللجوء إلى تركيا لم يكن خيار المدرسة سمر (30 عاماً) بعد خروجها من حلب. “قبل الخروج كنت عازمة على مغادرة سوريا بغير رجعة باتجاه تركيا لكني قررت أن أبقى قليلا في ريف حلب الغربي لأفكر قبل اتخاذ قرار متسرع”.

أفضت فترة التفكير التي أخذتها سمر إلى تغيير قرارها كليا لعدة أسباب، “إن تهجيرنا خارج البلاد هو ما يسعى إليه النظام. نعم لقد خسرنا حلب لكن الأطفال الذين كنت أعلمهم لازالوا موجودين وما زلت أرى فيهم مستقبل سوريا وسأبذل ما بوسعي في سبيل تعليمهم”.

أكثر من 150 مدرسة كانت تعمل في مناطق حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة هجر معظم طلابها وكوادرها التدريسية إلى مناطق ادلب وريف حلب الغربي، لم يعد معظمهم إلى المدرسة بعد، ومازالت مدارس حلب الشرقية مغلقة يستخدمها النظام كمقرات عسكرية أو مراكز لتوزيع الخبز بحسب الصور الواردة من هناك.

“بالتأكيد لم يكن خروجنا من حلب انتصارا” يقول عبدالرزاق الذي غير قراره بالسفر الى تركيا والاستقرار في أحد مدنها الهادئة لعدة اسباب أهمها العمل لتبدأ بعدها محاولاته للبحث عن سكن في الشمال السوري.

“كانت الخيارات محدودة، إدلب أو ريف حلب الغربي أو الشمالي” يقول، لكن الوضع هنا مختلف عن حلب. “كنا نعيش كشباب بعيدين عن عائلاتنا نجتمع كل يوم لكن هنا لا بد من وجود أقارب لك فهذه ليست مدينتنا”. كل ذلك إضافة إلى ندرة البيوت الشاغرة وارتفاع أسعارها، ما دفع عبدالرزاق إلى الاستقرار في معرة مصرين في ريف إدلب حيث يسكن مع عمّته وأسرتها.

عمل عبدالرزاق كمراسل صحفي لعدة وسائل اعلام محلية واجنبية من حلب، بينما يبحث الآن عن عمل جديد بعد انتقاله إلى منطقة جغرافية جديدة حاله كحال العديد من الناشطين الإعلاميين والمدنيين الذين بدأوا البحث عن أماكن اخرى لمتابعة عملهم فيها.