نازحون سوريون وعراقيون تجمعهم خيمة واحدة

” أسرتان واحدة من مدينة تل عفر العراقية والثانية من مدينة الباب السورية، تشاركتا رحلة النزوح وتعيشان معاً في مركز إيواء في مدينة أعزاز شمالي سوريا. “

%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%ad%d9%88%d9%86-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%88%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%aa%d8%ac%d9%85%d8%b9%d9%87%d9%85-%d8%ae%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%a7
[خيمة تضم عائلات سورية و عراقية في مركز ايواء-مدينة اعزاز-24-12-2016-(احمد محلي/صباح الخير سوريا)]

لم تكن “فاطمة الخضر” تعلم أن الأقدار ستدفعها هي وأسرتها إلى مغادرة منزلها في العراق وخوض تجربة لجوء قاسية جمعتها مع عائلة سورية تحت سقف خيمة واحدة.

السيدة التركمانية ذات الخمسة وعشرين عاماً أم لأربعة أطفال أكبرهم في سن الخامسة، كانت تعيش في حي النور في مدينة تلعفر العراقية مع زوجها وعمّتها ليلى المريضة بالسرطان والمصابة بالعمى.

“كانت حياتنا هادئة بالرغم من وجود بعض الصعوبات المادية” تقول فاطمة. لكن الهدوء لم يستمر طويلاً مع سيطرة تنظيم داعش على المدينة منتصف العام 2014 وفرضه نظاماً متشدداً على المدنيين وتعطيله كافة أشكال الحياة الاقتصادية. “كان زوجي بشار عامل بناء إلا أنه أصبح عاطلاً عن العمل بعد دخول داعش وأصبحنا نعيش على مائدة والده”.

رغم تردّي الأوضاع بقيت أسرة فاطمة في مدينة تلعفر لأكثر من سنتين، إلى أن بدأت المعارك تقترب شيئاً فشيئاً مع تقدم قوات الحشد الشعبي باتجاه المدينة، الأمر الذي دفعها وأسرتها للهرب لتبدأ رحلة نزوح استمرت أكثر من شهر ونصف الشهر.

“مع بدء المعارك ضد داعش كان هدير الطائرات الحربية هو الوحيد الذي يسمع وكان الخوف يتملّكنا من وقوعنا بيد ميليشيات الحشد الطائفية”، تقول بينما تقشّر حباب البطاطا لإعداد وجبة طعام بسيطة في خيمة النزوح لأطفالها.

الطريق إلى أعزاز

سمح تنظيم “داعش” لأهالي تل عفر بمغادرة المدينة بشرط التوجه إلى مناطق تحت سيطرته وكان من بينهم أسرة فاطمة. “توليت مسؤولية الاهتمام بأطفالي ووالد زوجي. أما زوجي فحمل عمّته على كتفيه طوال الطريق، فهي سيدة طاعنة في السن مقعدة ومريضة بالسرطان. وصلنا إلى قرية البليج على الحدود السورية العراقية ومنها إلى مدينة الرقة السورية”.

تكمل فاطمة رواية قصتها: “في الرقة التقطنا أنفاسنا وبدأنا نخطط للهرب باتجاه مدينة الباب بريف حلب الشرقي ومنها إلى مدينة أعزاز القريبة من الحدود مع تركيا”.

بسبب القيود التي كان تنظيم داعش يفرضها لمنع النازحين العراقيين من الوصول إلى الباب كونها النقطة الأخيرة التي يهربون منها إلى مناطق سيطرة المعارضة في مدينة اعزاز، اضطرت الأسرة للتعامل مع مهربين.

“في مدينة الباب انضممنا إلى قوافل السوريين النازحين من مدينة الرقة باتجاه مناطق المعارضة السورية ولأجل ذلك كان علينا أن ندفع للمهربين  800 دولار أمريكي عن كل شخص منّا”. وتضيف “كنا حوالي 15 شخص مع النساء والأطفال وكان المبلغ كبيراً جداً، فبعنا مصاغنا الذهبي لتغطية نفقات الرحلة”.

“مع بدء المعارك ضد داعش كان هدير الطائرات الحربية هو الوحيد الذي يسمع وكان الخوف يتملّكنا من وقوعنا بيد ميليشيات الحشد الطائفية”

عبرنا حقل ألغام

أبوعدنان، تاجر مواد غذائية من مدينة الباب لديه ثلاثة أولاد وهو مصاب بالعمى، تعرف إلى أسرة “فاطمة الخضر” بينما كانا يستعدان لرحلة النزوح إلى أعزاز، فجمعتهما في نهاية المطاف ذكريات أليمة وصداقة وطيدة ومركز إيواء واحد.

يلتقط الرجل الخمسيني أطراف الحديث ويتابع رواية القصة: “كنت أعمل في تجارة التجزئة مع أولادي وزوجتي، لكن بعد بدء عملية درع الفرات في آب 2016 تصاعدت وتيرة القصف الجوي والمدفعي فسقط أحد الصواريخ على منزلي وأخرجوني وعائلتي من تحت الأنقاض”.

حاول أبو عدنان الهرب بأسرته من مدينة الباب التي يحكمها تنظيم داعش، وكانت معهم عائلات عراقية من بينها عائلة فاطمة الخضر. لكن التنظيم زرع ألغاماً في محيط المدينة بالكامل كي يمنع المدنيين من المغادرة ليستخدمهم دروعاً بشرية.

يقول أبو عدنان الذي يرتدي نظارات سوداء تخفي عينيه الضريرتين: “بينما نحن نحاول العبور باتجاه مناطق المعارضة انفجر أحد الألغام تحت قدمي شقيقي فمات هو وزوجته وواحد من أبنائه، واستمرينا بالمشي أنا وزوجتي وأطفالنا”.

هذا الرجل كان أيضاً ضحية مهربي البشر الذين أخذوا منه مبلغ 800 دولار أمريكي لقاء تهريبه إلى مناطق سيطرة المعارضة. وبعد تمكنه هو وأسرته من عبور حقل الألغام كان عليهم عبور خطوط الجبهات بين تنظيم داعش وقوات درع الفرات.

وقرب قرية “جبلة المغري” حصل اشتباك بين الجانبين أسفر عن إصابة عدة أشخاص من بينهم زوج فاطمة الخضر وأبيه، إضافة إلى إصابة أبي عدنان بجروح طفيفة نتيجة وقوعه على الأرض.

هذه اللحظات كانت أصعب على فاطمة من الهروب من تل عفر ومن عبور حقل الألغام. فقد دخلت إحدى الرصاصات في رأس زوجها الذي بقي ينزف وهو على قيد الحياة، بينما أصابت رصاصة أخرى قدم عمّها. “كانت لحظات أشبه بالكابوس. كان أولادي يصرخون وقد رأوا أباهم وجدهم قد سقطوا على الأرض والدماء تسيل منهما” تقول فاطمة بينما تمسح دموعها بأطراف ردائها، وتتابع: “منذ ذلك الحين صرت أنا مسؤولة عن رعاية أطفالي وزوجي ووالده وعمته”.

المحطة الأخيرة

بعد تعب ومشقة تمكنت أسرتا فاطمة الخضر وأبي عدنان من الوصول إلى مركز إيواء النازحين في مدينة أعزاز. هناك تلقى زوج فاطمة وحماها العلاج وتم إخراج الرصاصات من جسديهما.

تتشارك الأسرتان العراقية والسورية مكان سكنٍ واحد في خيمة كبيرة تفتقد للدفء ولأبسط التجهيزات. ومع قدوم الليل يبدأ البرد بالتسلل إلى أجساد الأطفال بالرغم من حصولهما على مدفأتي كازولين صغيرتين.

المهندس “أحمد. س” أحد الإداريين القائمين على مركز الإيواء في مدينة أعزاز المدعوم من قبل منظمة الهلال الأحمر القطري يعلق على أوضاع الأسرتين بالقول “نحن نقوم بكافة الجهود لتوفير الخدمات للنازحين”.

ويضيف “لقد استقبلنا في مراكز الإيواء أكثر من 5 آلاف أسرة من العراق وريف حلب الشرقي ومعظم العائلات كانت من مدينة تلعفر والموصل ومدينة الباب، وحاولنا أن يكون هذا المركز هو نقطة استراحة وتجميع لهم ومن ثم يتم ترحيلهم إلى مخيمات دائمة”.

وكان أعضاء في المجلس المحلي لمدينة أعزاز قد تواصلوا مع السلطات التركية لحل مشكلة اللاجئين من مدينة تلعفر، إلا أنهم لحد الآن لم يتلقوا وعودا بإدخالهم إلى تركيا. بدلاً من ذلك ساهمت جمعيات خيرية تركية بإنشاء مخيم طارئ في قرية إكدا على الحدود السورية التركية خصصته للاجئين العراقيين .

يقول عمر وردة، مدير مركز الإيواء في مدينة أعزاز  إنه “تم تجهيز مخيم إكدا على الحدود، وبشكل يومي يتم إرسال عشرات العائلات باتجاه ذلك المخيم”.

وبحسب وردة، فإن عدد النازحين العراقيين الذين يتواجدون في مراكز الإيواء وفي الفنادق في مدينة أعزاز والقرى المحيطة يقدر بـ 10 آلاف. ويوميا هناك مئات العائلات التي تصل إلى مدينة أعزاز، رغم مخاطر الطريق والظروف الجوية السيئة.

وتعد مدينة أعزاز وجهة للنازحين من العراق وشرق سوريا وذلك لموقعها الحدودي مع تركيا ووجود معبر بوابة السلامة قريبا منها.

تأمل فاطمة ومعها المئات من الأسر النازحة متابعة الطريق وصولاً إلى تركيا، فالحياة هناك “أرحم” بحسب وصفها. إلا أن هذا يبدو حلماً صعب المنال في الوقت الحالي بسبب تشديد  السلطات التركية رقابتها على المعبر. “أخشى أن تكون هذه الخيمة هي محطتنا الأخيرة وأن لا نتمكن من العبور إلى تركيا”، كانت تقول بينما يهز أبو عدنان رأسه موافقاً.