نساء ريفيات: من الشجر وعلى الحجر بإمكاننا أن نطهو

” الظروف المعيشية الصعبة لا تمنعهن من القيام بالأعمال المنزلية.  “

%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d8%b1%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ac%d8%b1-%d9%88%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%b1-%d8%a8%d8%a5%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86
(الصورة: جميلة تعد الغداء لأسرتها بواسطة أساليب انقرضت منذ أكثر من 50 سنة في سوريا - مخيم كفر كرمين - الأتارب - ريف حلب - 2015-12-18 (رؤى عبيدصباح الخير سوريا)).
(الأتارب، ريف حلب، سوريا) أصبحت الحياة في الداخل السوري أصعب وأتعس في الآونة الأخيرة في ظل الحصار القائم وانقطاع بعض أنواع المحروقات وصعوبة شراء بعضها الآخر بسبب غلائه. وعلى الرغم من ذلك، ما زالت النساء الريفيات يعملن على إيجاد بدائل فيشعلن النار بأبسط الطرق للقيام بما يعتبرنه واجباً تجاه أسرهن وأطفالهن. وفي كل صباح يدعون بأمل وسط ضجيج المدافع القادم من بعيد فيشعلن ناراً لتحضير الفطور والقهوة.
وعندما تدخل بيت إحدى هؤلاء النساء تشعر كأنك في زمان آخر لا يشبه المألوف فيتم الطهو والغسيل والاستحمام بواسطة أساليب قديمة صعبة جداّ ليست صحية ولا آمنة وانقرضت منذ أكثر من 50 سنة في سوريا.
هربت جميلة (30 عاماً) مع زوجها وأطفالها من قصف طائرات النظام التي لم ترحم بيتها الصغير في قرية العيس في الريف الجنوبي لتستقر في خيمة زرقاء بسيطة. وتراها دائماّ جالسة خلف الموقد البسيط الذي صنعه زوجها مشغولة في إشعاله الذي يتطلب منها وقتاً طويلاً، ففي الصباح تعد الفطور والقهوة وبعدها بقليل تبدأ بإعداد الغداء لصغارها الذين يقضون يومهم في الحرش يجمعون الأعواد والأغصان التي يستطيعون قصها من الأشجار وحملها، فتشعل جميلة النار بهذه الأعواد لتغلي الماء لإعداد الشاي والاستحمام والغسيل.
هي سعيدة رغم قساوة المعيشة التي “كسرت ظهرها،” مثل ما تقول، وحين تسألها عن السبب الذي يجعلها تتحمل هذه الحالة تضحك بابتسامة واسعة وتخبرك أن “أحضان الطبيعة” أرحم من ذلك الذي دمر منزلها، وطالما أطفالها بعيدون عن القصف ستتحمل أي شيء لأجلهم.
وبدورها، نزحت الجدة أم جمال (60 عاماً) من قرية العيس منذ أكثر من خمسة أشهر وبدأت تعمل على البابور (وهو موقد يعمل على مادة الكاز لم يعد يستعمل في الطهو منذ التسعينات) منذ قدومها إلى مخيم كفر كرمين مع ابنها وأطفاله التسعة.
وتجهز أم جمال الطعام بكل قدرتها التي أصبحت ضعيفة بسبب تقدمها في العمر وتسلل مرض التهاب المفاصل إلى جسدها وذلك رغم ضعف الإمكانيات فالأطفال بحاجة ماسة إلى لقمة جيدة تنسيهم التعب والألم وتمدهم بالطاقة والنشاط. وعند سؤالها عن السبب الذي يجعلها تقوم بذلك أجابت: “أنا،  مثل كل الجدات، أرى الحياة من عيون أحفادي الصغار وأنا هنا لأجعلهم أفضل فلا شيء أجمل من رؤيتهم يكبرون بين أحضاني ويأكلون مما أعده لهم.”
ولا يعفى الأطفال من المسؤولية والعمل لسد حاجة البيت حيث أن الطفلان طارق (ستة سنوات) وزياد (سبع سنوات) ينطلقان كل يوم ليجمعا الأعواد الخشبية والحطب الصغير من الحرش الذي أقامت أسرتهما فيه الخيمة التي يسكنان فيها، وذلك كي تستطيع أمهما إشعال النار وتحضير الطعام لهما ولإخوتهما الصغار.
وعادةً يأخذ زياد وطارق معهما كيساً كبيراً وينطلقان لجمع الأعواد ويعتبران ذلك العمل فرصة للاستكشاف والمرح. ولا يرتدي زياد حذاءً بل يسير حافي القدمين ويشرح سبب ذلك قائلاً: “أنا اعتدت على المشي فوق الحجر وما عادت قدماي تؤلمانني فأنا كبير الأسرة وأستطيع تحمل أي شيء، هكذا أخبرني والدي الذي لا يملك النقود لشراء حذاء جديد لي.”
وعندما ينهي الطفلان عملهما ويملآن الكيس بالأعواد تسبقهما أصواتهما مبشّرة أمهما بأنهما انتهيا من ملء الكيس، فتعطيهما الكيس الآخر ويعودان للجمع مرة ثانية، ويستمران في ذلك حتى غروب الشمس.