هرب برلك من الأخذ عسكر

” قصة شخصية عن متهرب من الخدمة العسكرية وهي حال الكثير من الرجال في مناطق النظام. “

%d9%87%d8%b1%d8%a8-%d8%a8%d8%b1%d9%84%d9%83-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%b0-%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1
(الصورة: حاجز للنظام السوري في دمشق - دمشق - 2012-01-14 (إليزابيث ارّوت، إذاعة صوت أمريكامجال عام))
<

“تشتاق دمشق وتناجيها وهي البعيدة عنك ربع ساعة، وتقرأ لمن يشتاق لها وهو قادر على زيارتها. لا تستطيع رد صفعة ظالمة في الشارع لأن الشرطة تنتظرك في المخفر إن ذهبت تشتكي، فتسير بحذر وتبتسم ابتسامة واثقة مرفوعة الرأس، تنقصها الحرية.”

div>(ريف دمشق، سوريا) الذكرى الخامسة على الهروب من خدمة العلم. لم يعد يهمني إن كنت سأستمر في هذا الهرب أم سأنجو خارج الوطن، أم إن كانت السلطات – التي ستضع علم البعث وصورة رئيس البلاد على صدري وبندقية في يدي تأمرني بأن أقتل إخوتي في الوطن – ستتمكن مني.
كثيرة هي الليالي التي وضعت فيها رأسي على وسادتي وقلت في سري: “ربما تكون هذه آخر ليلة لي في منزلي.” وكثيرة هي ذكريات الهروب والحظ الجيد أو ربما السيئ الذي أسعفني في لحظات لن أنساها ما حييت. كلمات السر، وعدد رنات الجوال، والمحادثات المشفرة والصريحة التي تنذر بوجود الحواجز الطيارة والثابتة، والدوريات العسكرية الملاحقة للمتخلفين عن التجنيد الإجباري والمطلوبين، وطرقات الباب العنيفة ورنات الجرس في الصباح المبكر وفي آخر الليل، ورقم المخفر على كاشف الهاتف، وصوت دراجة الشرطة النارية، وختم شعبة التجنيد البيضوي الأسود، وورقة التأجيل ومراجعة الشعبة عند انتهاء التأجيل (1)، كلها أمور تألفها حواسي جيداً ويرتعد لهاجسها جسدي.
بعد أن قطعت الحاجز بعشر دقائق، أتتني رسالة: “انتبه تفييش.” تستغرب في سرك وتقول: “يا الله!”. مرة أخرى وأنت تنتظر دورك ليرى الجندي هويتك، يرتفع صوت من جهاز اللاسلكي فجأة قائلاً: “هات الأسماء اللي عندك،” وينظر إليّ الجندي ببرودة فيقوم جاري بمد هويته له فيرفضها قائلاً: “بس اللي هويتو مكسورة (2).” لم تكن يومها هويتي مكسورة ونجوت بأعجوبة.
في باص الموظفين الذي يسير عادة على الخط العسكري، يقول السائق: “تفييش شباب” ويأمره الجندي بسوقنا إلى “الفيش” (3) للتأكد إلكترونياً من أنك لست مطلوباً؛ وتنزل من جبيني قطرة عرق باردة بصمت من لا يريد أن يُعلم زملاءه أنه متخلف، ونرتقب معاً خطأ غبياً ينجينا بأعجوبة من اعتقال لسبعة أشهر في فرع المنطقة سيئ الصيت، وإن خرجت من السجن حياً لا أعلم أين سيأخذني الطريق والبندقية.
وعلى حاجز جديد يصعقك جندي يتحرش بفتاة ويعطيك محاضرة أدبية مملياً عليك أن تجلسها مكانك وهي الواقفة، ثم ينزلك من الحافلة ويطلب منك الجلوس على ركبتيك، وأنت لا حول لك ولا قوة، وكل ما تريده ألا “يفيشلك” و يحتجزك.
حملة التجنيد الإجباري التي يقوم بها النظام اليوم تشبه حملات “أخذ عسكر عالسفر برلك” العثمانية الشهيرة وتسفير الجنود برأ إلى حروب العثمانيين البعيدة، وها إننا اليوم نهرب براً من حملة الأخذ عسكر السورية إلى بلد أحفاد العثمانيين. وكثرت التنبيهات والرنات والرسائل والمكالمات المحذرة، فاضطررت إلى الهروب من منزلي مراراً، ونزلت قبل الدوريات وغيرت حارات وطرقات وبلدات؛ ورشوت وتلاعبت، واحتلت وزورت، وبقيت على موقف واضح: لن أضع صورته ولا علمهم ولن أحميهم.
يضيق الخناق، وتنكسر هويتي سهواً ويصبح من المستحيل عليّ المرور على الحواجز أو الذهاب إلى أي مؤسسة حكومية، وتنهمر عليّ فرص العمل التي تحرق القلب لعدم قدرتي على الاستفادة منها؛ وأحاول الهروب خارج القطر والحظ العاثر عاثر، فكل من سعى بهروبي من البلد نابه مكروه وتعكر عمله، وكأن قدري بالبقاء أسيراً هنا سيكون لعنة على كل من يعبث به. أقوم بعملي التطوعي في المنظمات الإنسانية وأساعد الناس في مراكز الإيواء وأحاول حل مشاكلهم الاجتماعية والنفسية ومشاكلي لا أقدر على حلها، وألاعب الأطفال بين بيوتهم وأقدم لهم الهدايا وعيني على الطريق كي أهرب في الوقت المناسب.
معتكف في بلدتي لست قادراً على شيء، وكل من حولي يرونني أذوي ببطء وما في اليد حيلة غير أن أبقى قوياً ولا أرتعد عندما أرى بذلة عسكرية بجوار جيب وأربع قبعات حمر. ينقل أصدقائي لي صورة مركز الاعتقال وأماكن الحواجز وتحركات الدوريات، وأنا منصت كي أحدد خطوتي التالية. تفكر في وضعك، متنفسك منذ خمس سنوات هو نادي الرياضة. تستذكر رواية “القوقعة” خوفاً من ظروف الاعتقال الشنيعة التي يرويها الكاتب مصطفى خليفة وصديقك الهرم يروي لك في إحدى السهرات تفاصيل اعتقاله في تدمر لسبع سنوات وأربعة أشهر، وتقارن وضعك بوضعه: هو بنفس السوء النفسي والنضال للحياة.
تشتاق دمشق وتناجيها وهي البعيدة عنك ربع ساعة، وتقرأ لمن يشتاق لها وهو قادر على زيارتها. لا تستطيع رد صفعة ظالمة في الشارع لأن الشرطة تنتظرك في المخفر إن ذهبت تشتكي، فتسير بحذر وتبتسم ابتسامة واثقة مرفوعة الرأس، تنقصها الحرية.
تفاجئك مزحة ثقيلة بعد منتصف ليلة ماطرة من صديق: “حظر تجول، ومداهمات للمنازل،” حيث يعيق الجو الماطر من عملية الهرب إن داهموا منزلك. يصعقك كلام صديق في الشرطة العسكرية يعلم بوضعك: “عم يسألوا عنك.” هلوسة وأفكار وقلق واضطراب في كل شيء… العمل، النوم، الحب… أكتب هذه الكلمات وأنا في كافيه نت عند الساعة 8:06 مساءً بعدما وردني اتصال جديد يحذرني من العودة إلى منزلي والتجول، لأن دوريات الأمن تجوب الطرقات، ويطرق مسمعي حديث شباب في الكافيه: “الاعتقال شغال برا.” قد لا أبقى لأقرأ كلماتي هذه منشورة.

على الحواجز يطلب الجنود من الشباب الصغار في العمر ورقة تأجيل خدمة العلم، وأتذكر عندما أراهم يبرزونها أن آخر ورقة تأجيل كانت بحوزتي منذ خمس سنوات، وأتذكر أن عليها ختم شعبة التجنيد البيضوي بالحبر الأسود وملاحظة مفادها أنه عليّ مراجعة الشعبة عند انتهاء مدة التأجيل.
في المظاهرات سابقاً كان الأمن السوري عندما يعتقل المتظاهرين يكسر هوياتهم إن كانت سليمة ويطلق سراحهم، وفي حال تكرر اعتقال الشاب في مظاهرة ثانية وكانت هويته مكسورة وُضع في المعتقل، لذلك عندما يرى الجنود على الحواجز هوية أحدهم مكسورة يرسلون بيانات حاملها إلى فروع الأمن على اللاسلكي لمعرفة إذا ما كان مطلوباً أم لا.
مصطلح للأمن السوري وهو مكان وجود الكمبيوتر على الحاجز.