ورقة الخريف التي سقطت علّ في موتها حياة جديدة

” من الجامعة إلى الخندق مروراً بالفقر.  “

%d9%88%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%b3%d9%82%d8%b7%d8%aa-%d8%b9%d9%84%d9%91-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%aa%d9%87%d8%a7-%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9
(الصورة: بطل الحكاية "أحمد" في البدلة العسكرية - السخنة - تدمر - حمص - 2016-3-26 (فيسبوك)).
(اللاذقية، سوريا) منذ خمس سنوات كنا نمشي معاً في شوارع اللاذقية نغنّي “بدنا نعبّي الزنزانات” ونضحك كثيراً على من اعتبرها أغنية مؤيدة للنظام، ونشاهد فيديوهات الساروت (1) والمظاهرات في السر في أروقة الجامعة ونتمنى المشاركة في إحداها، حتى اختفى صديقي أحمد (2) منذ ثلاث سنوات بعد أن ترك الجامعة ولم يعد يجيب على هاتفه أو حساب الفيسبوك الخاص به، وكثيرة هي الرسائل التي أرسلتها إليه.
توفيت والدة أحمد خلال ولادته فعاش حياته مع والده وأخته إلى أن أصيب والده خلال حادث سير بأذيّة كبيرة في النخاع الشوكي ليفقد القدرة على تحريك أطرافه الأربعة. ونجح أحمد في الثانوية العامة بمجموع ممتاز ودخل كلية الهندسة المدنية حيث تعرفت عليه. لم يكن يشاركنا في أي نشاطات خارج الجامعة، ولا يشتري محاضراته من المكتبة بل يجلس ليدون كل ما يقوله الدكتور في المحاضرة على أوراق بيضاء يجمعها بشكل دفتر، فأثارني الفضول لأتعرف على هذا الشاب الخجول والمجتهد. وكانت الحياة الصعبة التي يعيشها تجبره أحياناً على الخروج من المنزل في السادسة والنصف صباحاً ليصل إلى الجامعة في الثامنة سيراً على الأقدام لأنه في أغلب الأوقات لم يكن يملك حتى 25 ليرة (حوالى 0,53 دولار في عام 2011) ليركب الباص.
وأتذكر آخر رسالة وصلتني منه في عام 2012: “أنا ورقة الخريف التي سقطت علّ في موتها حياة جديدة.” لم أفهم رسالته حينئذٍ، واعتقدت أنه ترك الجامعة ليعمل ويصرف على بيته وأخته واحترمت قراره وتضحيته جداً. وحاولت كثيراً التواصل معه ومساعدته لكن لم تنجح أيّ من محاولاتي، فاستسلمت للأمر وابتعدت حتى رأيته صدفة في الشارع بعد ثلاث سنوات فأخبرني أنه يعيش حياة أفضل، وبات يستطيع شراء أدوية والده وتأمين مستلزمات جامعة أخته. وقال أيضاً إن دخول المقهى مع أصدقائه لم يعد مخجلاً بالنسبة إليه، لكنه لم يكشف لي عن عمله أو مكانه.
وفي آخر نيسان الماضي وأنا أتصفح الأخبار على الفيسبوك رأيت صورته. لم أحتج لكثير من الوقت لأتعرف إليه رغم البدلة العسكرية التي كان يرتديها في الصورة ولحيته والوزن الذي اكتسبه وعضلاته والكلاشنيكوف التي يحملها. وقرأت الخبر الوارد تحت الصورة ناعياً مقتله في بلدة السخنة في تدمر. لا أذكر كم طالت صدمتي أمام الخبر الذي قرأته، إلا أنني لم أستطع منع دموعي أو تأثري عندئذٍ. وعلمت أخيراً لِمَ ابتعد عني وتجاهل رسائلي إذ لم يكن يستطيع مواجهتي ليقول لي: “نعم، سأذهب إلى الحرب مقابل خمسين ألف ليرة سورية (حولى 125 دولار) تضمن حياة لأختي وأبي، وسأحذف فيديوهات المظاهرات وأغاني الثورة التي طالما سمعناها من هاتفي الخليوي، وصور المدنيين الذين قتلوا من صفحتي على الفيسبوك لأنني اليوم قد أكون قاتلاً ولم أعد مدافعاً عنهم.”
أحمد الذي ترك مقعده في الجامعة ومستقبله كمهندس ليتطوع في “صقور الصحراء” ويحمل بندقيةً عوضاً عن المسطرة التائية التي لم يكن باستطاعته دفع ثمنها، صار واحداً من شباب كثيرين أصبحت معادلة حياتهم اليوم “الحرب والقتل مقابل المال.”

 

“وقال أيضاً إن دخول المقهى مع أصدقائه لم يعد مخجلاً بالنسبة إليه، لكنه لم يكشف لي عن عمله أو مكانه.”

عبد الباسط الساروت لاعب كرة قدم من حمص أصبح أحد رموز المعارضة السورية.
تم استخدام أسماء مستعارة لأسباب أمنية.