…وسوريا بخير

” ندوات شعرية تقام برعاية النظام السوري لإظهار استقرار المدينة الامني (“سوريا بخير” شعار معروف للنظام السوري لترويج فكرة اعادة الاستقرار الامني في البلاد) “

<

“يمكن أن تشبّه مدينة حماه الآن بعروس مختطفة من قبل عصابة ومعظم هؤلاء الشعراء ينظرون إلى قيودها ويراقبون دماءها ويستمعون إلى صراخها لكنهم يكتبون عن الزغاريد التي أطلقت في السماء قبيل اختطافها .”

div>(حماة، سوريا) مع بداية كل اسبوع يلاحظ المارة دعوات لندوات أدبية وأصبوحات شعرية ملصقة على أبواب المركز الثقافي الواقع في ساحة العاصي  وفي قلب المدينة تحديداً.
تختلف الآراء في جدوى إقامة مثل هذه الندوات في ظل الأوضاع الأمنية التي تشهدها البلاد عموماً فالبعض ينظر إليها على انها استمرار للحياة ففي تفاصيلها يمكن للمتلقي أن يلمس رغبة حقيقية لدى الشاعر في كسر رتابة الحياة في كنف الحرب والبعض الآخر ينتقد إقامتها.
“أفضّل أن أبحث وأقرأ الشعر والنصوص عبر صفحات الإنترنت لأنه المكان الذي يتيح مساحة كبيرة من حرية القول، خاصة إذا قارنا ذلك بما يقدم في الأصبوحات الشعرية،” يقول الصحفي عبد الرحمن(1)  لصباح الخير سوريا ولا يُخفي تأثره الشديد من الوضع الثقافي المزري الذي آلت إليه مدينته.
ويضيف: “إن الظروف السياسية التي تعيشها المدينة والبلاد بشكل عام  ادخلت الثقافة في فترة من السبات العميق إلى أن تتوضح ملامح حل في الأفق وهذا ما يجعلنا نصطدم بما هو متاح للشعراء من هامش ليقولوا كلمتهم وهم ما زالوا يعيشون تحت القبضة الأمنية المعروفة للنظام السوري، لذلك يجب أن يكون الشعر محاولة حقيقية لكسر قيد أو فتح كوة صغيرة في هذا السجن الكبير.”
بعد دخول قوات النظام السوري لمدينة حماه في شهر تموز عام 2011 لقمع  الاحتجاجات التي عمت أرجاءها، توقف النشاط الثقافي لمدة زمنية تتجاوز السنتين ليعود من جديد ويستقبل شعراء يقدمون أنفسهم من خلال أصبوحات شعرية تقام في المركز الثقافي. تهافت العديد من كتاب وشعراء المدينة على الترحيب بهذه الندوات وكلهم أمل بأنها فرصة لإعادة إحياء الثقافة.
“تحريك المشهد الثقافي في هذه الفترة رسالة للخارج بأن هذا الشعب العظيم شعب صامد يولي الناحية الأدبية أهمية بالغة،” هذا ما قاله سامر وهو أحد أعضاء اتحاد الكتاب العرب في حماة.
وأضاف: “هناك قرار سياسي بإقامة الندوات الشعرية لتنشيط الحركة الثقافية وإظهار المواهب الشابة التي تترجم حبها للوطن ولقائد الوطن من خلال المشاركة بقصيدة وطنية، كما يتم صرف مبالغ مادية لتغطية هذه الندوات إعلامياً فالهيئة العامة السورية للإذاعة والتلفزيون تتابعها بشكل دائم وتقوم بعرضها (على القناة السورية الأرضية) لإظهار الاستقرار الأمني الذي تعيشه المدينة.”
الطلاب كانوا سابقاً يمضون معظم أوقاتهم في المركز الثقافي الذي تقام فيه هذه الندوات الشعرية  والمكان كان يضج بالحياة، ثم حولت قوات النظام السوري قسماً منه لثكنة عسكرية  فالأكياس الرملية تحيط به من كل جانب إضافة إلى الحواجز الاسمنتية التي تمنع اقتراب أي مركبة منه.
موظفو المركز الثقافي والمنسقون لهذه الندوات يقع على عاتقهم إرسال الرسائل النصية لأكبر عدد ممكن من المثقفين لدعوتهم لحضور هذه الندوات.
“الشاعر أولاً وأخيراً هو من يثبت وجوده من خلال ما يقدمه على المنبر،” هذا ما قاله محمد أحد موظفي المركز الثقافي لصباح الخير سوريا.
وأكد: “لا شروط معينة يجب أن تتوافر في الشاعر إلا أن يكون متمكناً من موهبته وليس بالضرورة أن يكون اتحادياً أي منتمياً الى اتحاد كتاب العرب، والخطة التي وضعتها مديرية الثقافة منذ عودة النشاط الثقافي للمدينة تقتضي بإقامة نشاطين على الأقل كل أسبوع من أصبوحات شعرية إلى محاضرات أو ندوات أدبية بالإضافة إلى أنشطة الأطفال.”
ألف ومائتان ليرة سورية (أربع دولارات في السوق السوداء) هو كل ما يحصل عليه الشاعر من تعويض بعد نهاية الندوة الشعرية ولا فرق بين شاعر مبتدئ أو مخضرم.
أثناء حضوري للندوة لم أجد صعوبة بالغة في الجلوس حيث أريد فالمقاعد كانت شبه خالية من زائريها، وبدت القاعة كصالة سينمائية مظلمة تزين ستائرها التي يعلوها الغبار أعلام حزب البعث الحاكم في سورية.
وبالرغم من ذلك أكّد الموظف محمد أن الإقبال على تلك الندوات ومتابعة الجمهور لها جيدة عموماً.
مع بداية الندوة يقف الجميع “دقيقة صمت لأرواح الشهداء الذين سقطوا على تراب هذ الوطن،” تلك الجملة يستهل بها مقدم الندوة الشعرية حديثه يليها تقديم كل شاعر.
وفي ظل الانقطاع شبه الدائم للكهرباء عن المدينة يجد الشعراء أنفسهم مضطرين معظم الأوقات لإلقاء قصائدهم ضمن قاعة مظلمة ممسكين بمنديل ورقي لمسح عرقهم الذي يتساقط من جبينهم على الأوراق التي كتبوا عليها قصائدهم ولا يخفى على الجمهور الحاضر أن هذه العوامل هي المسبب لحالة الارتباك التي تصيب الشاعر والتي تؤدي بدورها إلى أخطاء لغوية وعروضية.
يسترجع الصحفي عبد الرحمن في مخيلته تاريخ مدينته الثقافي وكيف كانت المنارة المضيئة التي تشع ضياؤها لعدة عقود خلت، ثم يصمت برهة ويقول: “يمكن أن تشبّه مدينة حماه الآن بعروس مختطفة من قبل عصابة ومعظم هؤلاء الشعراء ينظرون إلى قيودها ويراقبون دماءها ويستمعون إلى صراخها لكنهم يكتبون عن الزغاريد التي أطلقت في السماء قبيل اختطافها .”
(الصورة: الشاعر السوري نزار قباني (Waleefalrooh/CC BY-SA 3.0 via Wikimedia Commons))
(الصورة: الشاعر السوري نزار قباني (Waleefalrooh/CC BY-SA 3.0 via Wikimedia Commons))

تم استخدام اسماء مستعارة لحماية المصادر.