عمليات التهجير القسري وصناعة “السوريّ المفيد” (3)

يركز الكاتب في هذا المقال على عمليات التهجير المباشرة التي تمت في سوريا ضمن الجزء الثالث وماقبل الأخير من ملف رصد عمليات التهجير القسري وصناعة “السوري المفيد”..

%d8%b9%d9%85%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b3%d8%b1%d9%8a-%d9%88%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a

رعد أطلي
عمليات التهجير القسرية المباشرة

لم تكن عمليات التهجير غير المباشرة في سوريا سوى مقدمة لعمليات تهجير ضخمة قامت بها مجموعات عدة مشتركة في الصراع السوري، وكان نظام الأسد صاحب الحصة الأكبر من تلك العمليات، حيث قام بعدة عمليات معظمها قائم على أساس طائفي، مرتكباً جرائم حرب واضحة حسب القانون والاتفاقيات الدولية بحق مئات الآلاف، وذلك عن طريق محاصرة المناطق التي يسيطر عليها الثوار وتجويعهم ضمن سياسة أسماها “الجوع أو الركوع” ليعيد توزيع السوريين المفيدين في المناطق المفرغة من أهلها.

وفي ذلك السياق نشرت الغارديان البريطانية في 14.1.2017 تقريراً صحفياً حول عمليات التهجير القسرية التي يقوم بها النظام وغايتها جاء في التقرير تصريح لمسؤول لبناني كبير يقول “أن إيران والأسد لا يريدون أي سني بين حمص ودمشق وعلى الحدود اللبنانية”، وبدأت أولى عمليات التهجير بعد معركة القصير شمال حمص، حيث اقتحمت قوات النظام المدينة مدعومة من ميليشيات شيعية على رأسها حزب الله المدينة في نهاية شهر نيسان من عام 2013، ومنع أهلها من العودة إليها وهجر كل من فيها، وكان للمعركة بعداً طائفياً واضحاً من خلال رفع رايات حزب الله واللافتات بعبارات شيعية من مثيل “لبيك يا حسين” في كل مكان في المدينة.

ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من التهجير القسري تبنى على حصار المناطق وتجويع الناس حتى يرضخ أهلها لطردهم خارج بيوتهم ومناطقهم، وفي 4 نيسان من 2014 وبعد حصار دام لمدة عامين تم تهجير سكان حمص القديمة بحجة “تطهيرها ” من المسلحين، حيث أخرج النظام منها 2250 مقاتلاً مع عائلاتهم وعائلات أخرى كانت داخل الحصار، وتحدثت مصادر عدة عن تصفية واعتقال العديد من المدنيين الذين لم يخرجوا مع المقاتلين، وفي 26 آب 2016 وبعد حصار دام 1375 يوم منذ تشرين الأول 2012 وبعد تدمير 95% من معالم المدنية تمكنت ميليشيات النظام والحليف الإيراني من تهجير سكان داريا التي بلغ عددهم سبعة آلاف حينها بعد أن كان قد هجر 255 ألف نسمة كانوا يسكنونها حسب إحصائية 2007 نتيجة استخدام كافة الأسلحة ضدها، ويكفي أن نذكر أن المدينة لوحدها قد تلقت 3500 برميل متفجر خلال سنوات الحصار، وتعتبر المدينة التي دمرها النظام بشكل كلي، وبعد أن باتت المدينة فارغة تماماً من سكانها الذين تم ترحيلهم إلى إدلب قام بشار الأسد بجولة في شوارعها محتفلاً بالنصر وبتجهيزها للسوريين المفيدين.

في 15 كانون الأول من 2016 وبعد حصار خانق وقصف سوري وروسي استهدف كل مناطق حلب الشرقية وأدى إلى مقتل الآلاف خلال شهر كانون الأول فقط تمكن النظام من تهجير أبناء المدينة بكاملهم والبالغ عددهم 300 ألف نسمة وهي أكبر عملية تهجير قام بها النظام في سوريا، ويقول محمود شهابي أحد النشطاء الإعلاميين الذي خرج مع آخر سيارات الثوار من المدينة أن “الوضع لا يمكن وصفه حتى اليوم، استهدف النظام المشافي والمنازل وامتلأت أروقة المشافي بالمصابين والضحايا، وبتنا نركض على الجثث ونعجز عن إنقاذهم، في الوقت الذي كانت جبهة النصرة تقاتل في الأيام السابقة فصائل من الجيش الحر داخل المدينة، وخرج عناصرها مع أول دفعة من المحاصرين، ولم يعد يمكننا البقاء، لقد انتظرنا بعض الناس حتى ماتوا لندفنهم رغم أن احتمالية إنقاذهم تبلغ 50% لو كنا نملك المعدات الطبية والوقت، ولكن ما من أمل، كان الموت سيد الموقف، وكان علينا النجاة بما تبقى من المدنيين الأبرياء، لا نريد الخروج من المدينة، لكن العالم بأسره يجبرنا على ترك بيوتنا”

وبعد دخول النظام المناطق المحاصرة قام بتصفيات وإعدامات ميدانية في شوارع بستان القصر وبلغت الإعدامات يومها 35 ضحية، كما قام بحرق تسعة أطفال أحياء في حي الفردوس، وتقول أ مواطنة سورية مقيمة في ألمانيا “أن والدها تم اعتقاله عند محاولته العودة إلى بيته في حي الهلك بحجة انتساب أفراد من عائلته للجيش الحر”، حيث باتت ميليشيات النظام الأمنية تمنع أي أحد من غير “السوريين المفيدين” من العودة لبيته.

كان الاتفاق الذي قضى بالتهجير القسري لأبناء مدينة حلب قد تم التوصل إليه برعاية روسية تركية، واستمرت روسيا عراباً للتهجير حيث قامت برعاية اتفاق بين لجنة حي الوعر في مدينة حمص وميليشيات الأسد في 13 آذار 2017 يقضي بخروج من يرغب من الحي بعد موجة قصف شديدة وحصار طويل للحي، ووقّع على الخروج ما يقارب ال19 ألف نسمة، لتنطلق أول دفعة في 18 آذار وتوجه المهجرون إلى ثلاث وجهات، ريف حمض الشمالي وجرابلس وإدلب.

في مطلع نيسان مع العام الجاري تم التوصل في اتفاق المدن الأربعة بين المفاوض الإيراني ومفاوض حركة أحرار الشام إلى عملية تغيير ديمغرافي واضحة بشكل فاضح من خلال مبادلة سكان مدينة الزبداني ومضايا ووادي بردى السنة، وقد تعرضت مضايا الزبداني لحصار أدى إلى موت العديد من المدنيين ومعظمهم من الأطفال جوعاً، مبادلة سكان تلك البلدات حول دمشق بسكان كفريا والفوعة الشيعة حول إدلب.

تلك المفاوضات التي سبقتها جولات عديدة حول الطرح نفسه كان أولها في آب 2015 في اسطنبول بين أحرار الشام والإيرانيين، حينها أصدرت أحرار الشام وجيش الفتح بياناً بتاريخ 5 آب 2015 يحذر من انتهاج إيران سياسة التغيير الديمغرافي في المنطقة، وهما نفس الفصيلان اللذان اعتبرا هذا الاتفاق في نيسان 2017 انتصاراً للثورة، وجرى إثر الاتفاق تهجير 10 آلاف نسمة من كفريا والفوعة مقابل عدد يكاد يماثلهم من الزبداني ومضايا وغيرها، وتوجه المهجرون من ريف دمشق إلى إدلب، في حين توجه المهجرون الفوعة وكفريا إلى حلب، وقد قام النظام وميليشيات حزب الله بتدمير ما تبقى من أبنية قائمة بالمدن وعرضت وسائل إعلام موالية للنظام سحب الدخان الناجمة عن عمليات الهدم والحرق والتدمير، بل وغيروا اسم السهل من سهل الزبداني لسهل الربيع، ومنعوا أبناء المدن النازحين من العودة لمناطقهم في حين سمحوا لعائلات موالية “سوريين مفيدين” للنظام من العودة لتفقد أملاكهم في مضايا.

ما يميز عملية التهجير القسرية الأخيرة اتفاق كل من ميليشيات النظام وحليفتها إيران مع فصائل إسلامية على تهجير المدنيين دون رغبة أهل المدن بذلك، وقد رفعت لافتات في الزبداني من أهلها رداً على اتفاق تعتبر جبهة النصرة وحزب الله شركاء في الدم والتهجير.

من الجدير ذكره أن عمليات التهجير ترافقت مع صراع فصائلي بين القوى المسيطرة على مناطق الثورة في سوريا، ففي حين كانت قوات النظام تقصف حلب كان هناك صراعاً محتدماً بين أحرار الشام وكتائب نور الدين الزنكي والنصرة من جهة، وتجمع فاستقم كما أمرت، من جهة أخرى داخل حلب المحاصرة، في حين بقيت داريا والمعضمية والزبداني تحت الحصار في حين كانت الغوطة تشهد صراعا بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن.

إن عمليات التهجير القسري لم تكن تتبع سياسة موحدة لدى النظام، واختلاف تلك السياسة ناجم عن اختلاف القوات الحليفة في أهدافها من عملية التهجير، فرغم أن السياسة الإيرانية تهدف لإنتاج تركيبة ديموغرافية تابعة لها من خلال إحلال سكان جدد مكان المهجرين تابعين لإيران إيديولوجيا نتيجة انتمائهم للمذهب الشيعي، وهذا ما حدث في مناطق مختلفة من ريف دمشق “داريا” وغيرها، إلا أنه في المقابل فإن الروس يهدفون من عمليات التهجير لإنتاج بنية ديمغرافية موالية للنظام سياسياً بالدرجة الأولى، أي أن عمليات التهجير في بعض منها قامت على أساس الإقصاء السياسي، وقد عمدت روسيا في كانون الثاني من 2016 بعد تهجير سكان منطقة حلب الشرقية إلى منع استيلاء ميليشيات شيعية على البيوت، ونشر قوات روسية قوامها جنود مسلمون سنة من مناطق مثل الشيشان وبشكيريا ليكونوا على مقربة من السكان، وكذلك تمكن بعض سكان حي الوعر من العودة إلى بيوتهم بعد خروجهم منها، وذلك نتيجة الظروف المعيشية السيئة التي عانوها في المخيمات التي خصصت لهم على الحدود التركية السورية في مناطق درع الفرات.

الآن وأثناء نشر هذا الملف تحاصر قوات النظام الغوطة الشرقية في ريف دمشق ومدينة تلبيسة شرق حمص، وشهدت الغوطة في اليوم الثاني من هذا الشهر وفاة الطفلة مرام البالغة عاماً واحداُ من العمر نتيجة الفشل الكلوي، حيث ولدت الصغيرة بكلية واحدة، ورغم نجاح العملية التي أجريت لها إلا أنه لنقض في المعدات والمستلزمات الطبية توفيت الطفلة، وقد يقود هذا الحصار لما يقارب 390 ألف نسمة إلى عملية تهجير جديدة، وكان موقع جيرون قد نشر تصريح في 15 أيلول الماضي لمصدر معارض يقول فيه أن تركيا أكدت أنها لن تسمح بأي عملية تهجير جديدة للسكان من مناطق الجنوب، فهل ستتمكن تركيا من الإيفاء بوعدها؟ وترفع المعاناة عن الناس المحاصرين هناك.

في الجزء القادم سيناقش الملف عمليات التهجير العرقي التي قامت بها قوات ال ب ي د حسب تقارير محلية ودولية، والمواقف الدولية من عمليات التهجير لخلق ما قال عنه الأسد في خطابه الأخير “شعباً متجانساً”.