تراجيديا سيمالكا

banner
banner
banner

رستم محمود

طوال سنوات كثيرة، بعد حصول أكراد العراق على الحُكم الذاتي عام 1991، كان العديد من أكراد سوريا يسافرون إلى زاوية قصية من المثلث الحدودي السوري العراقي التُركي، بالقُرب من قرية حدودية على نهر دجلة تُسمى “سيمالكا”.

من هُناك، كانوا يسترقون النظر للعلم الكُردي، المرفوع على سارية عالية من الطرف العراقي/الكُردي من الحدود. ذلك العلم الذي كان يعني لهم الكثير، سياسياً ووجدانياً. فقد كان العلم الكُردي الوحيد المرفوع في بُقعة ما من العالم؛ لكن أيضاً كان المكان الوحيد الذي تمنع السُلطات السورية زيارة أي من المواطنين السوريين إليه.

 فقد ظلت السُلطات السورية مُصرة على عدم فتح أي منفذ حدودي لها مع تلك المنطقة من العراق، بالرُغم من فتحها للعديد من المعابر في المناطق الحدودية الأخرى. كذلك فإن السفر إلى كُردستان العراق كان يتطلب موافقة من شُعبة الأمن السياسي في سوريا، وإذا علمت السُلطات الأمنية السورية أن أحد المواطنين قد سافر إلى كُردستان العراق دون علمها، فإنها كانت تُعرضهم لتحقيقٍ دقيق ومعاقبة قاسية.

ظل ذلك الوضع قائماً لأكثر من عقدين، وبالرغم من العلاقات السياسية الجيدة بين القوى السياسية الكُردية العراقية والنِظام السوري، إلا أن الأخيرة كانت ترفض اعترافاً رسمياً بالإقليم الكُردي. وبالرُغم من سوء العلاقة بين النِظام السوري ونظيره العراقي، إلا أن الطرفين ظلا يُحافِظان على علاقات رسمية بينهُما، رسمية وتجارية. كان أكراد سوريا يُعللون ذلك بالنزعة القومية للنِظام السوري، الذي يرفض تواصل “الأخوة” الأكراد على طرفي الحدود.

تغيرت الأحوال السياسية السورية بعد العام 2012، بالذات في تلك المناطق، حيث سيطرت وحدات حماية الشعب “الكُردية” على مناطق واسعة من الجزيرة السورية، ومنها تلك النقطة الحدودية، ولم يبق للنِظام السوري أية سيطرة أمنية أو سياسية على تلك المنطقة، وباتت سُلطتان كُرديتان تحكُمان طرفي الحدود.

على أن ذلك التحول السياسي والأمني العسكري على الطرف السوري من الحدود كاد ألا يعني شيئاً بالنسبة لتنقل السُكان على طرفي الحدود، بالذات منهم الأكراد السوريون. خصوصاً وأنهم بعد فترة قصيرة من سيطرة قوات حماية الشعب الكُردية على المناطق الحدودية، صاروا مُحاصرين من كافة الجهات، ولم يكن لهم من منفذ مع العالم الخارجي خلا ذلك المنفذ الحدودي مع كُردستان العراق.

***

توافقت السُلطتان الكُرديتان على طرفي الحدود فتح ذلك المعبر الحدودي النهري “سيمالكا” مُنذ العام 2012. لكن طبيعة المعبر ظل يُعاني من كثير من المُعضلات، التي توضح طبيعة الأحوال السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها الكُرد على طرفي الحدود، وبالذات أكراد سوريا “روج آفا”.

فمعبر سيمالكا لم يغدُ معبراً نِظامياً في أي وقت. فالسُلطتان الحاكمتان على طرفي الحدود تُعانيان من “نقص الشرعية”، فهُما في المُحصلة ليسا سُلطتين لدولتين واضحتين مُستقلتين. أكراد العراق يحكمون إقليماً فيدرالياً مُعترفاً به في العراق، بينما أكراد سوريا ليسوا سوى سُلطة للأمر الواقع.

مُنذ قرابة خمسة سنوات يعبر الكُرد السوريون ذلك المنفذ، دون أن يحصلوا سمة دخول إلى “دولة أخرى”، وكذلك دون أن تُختم جوازات سفرهم بأية أختام، يؤثر ذلك على أحوالهم في حالة سفرهم إلى دولٍ أخرى، إذ تُلاحظ السُلطات في الدول الأخرى بأن جوازات سفرهم لا تحمل تأشيرة خروجٍ من “بلدهم”. يحدث الأمر نفسه مع آلاف العابرين من الطرف الكُردي العراقي إلى الجانب السوري، خصوصاً بالنسبة للعاملين في المُنظمات الدولية والمُغتربين الكُرد السوريين.

عدم الوضوح القانوني انعكس بطريقة سلبية على الراغبين بالتنقل على دفتي الحدود. فعليهم أن يُسجلوا اسماءهم في الدوائر البيروقراطية المُعقدة المرتبطة بالإدارة الكُردية، وأن ينتظروا لشهورٍ كثيرة حتى يحين دورهم من بين عشرات الآلاف من المُسجلين. خلا الآلاف الذين يخترقون ذلك النِظام، من المُقربين من للإدارة الذاتية الكُردية. أما الذين لا يستطيعون الانتظار كُل هذه المُدة الطويلة، فيجب عليهم أن يختاروا الطُرق التهريب البرية جنوب المعبر، حيث تصل تكلفة توصيل الشخص الواحد إلى قرابة نصف مليون ليرة سورية (ألف دولار)، وهو غير مضمون العواقب، ويخضع لابتزاز المُهربين وشروطهم وأمزجتهم الخاصة.

نفس الأمر ينسحب على قُرابة 300 ألف نازحٍ كُردي سوري، يعيشون في مُدن ومُخيمات إقليم كُردستان العراق. فعلى الراغبين منهم بالسفر إلى سوريا أن يُسجلوا اسماءهم في قائمة المسافرين، التي تضمُ أيضاً عشرات الآلاف من الأسماء بينما لا تستوعب “الوجبة اليومية” أكثر من مئة مُسافر يومياً، لذا على المُسجلين أن ينتظروا، رُبما لشهورٍ، حتى يحين موعد دورهم في السفر.

يخضع هؤلاء أيضاً لنفس الآليات التي تُمارس على الذين في الطرف السوري من الحدود، فالمقربون من الأحزاب السياسية  الكُردية السورية الناشطة في إقليم كُردستان العراق يُلاقون مُعاملة مُميزة، بينما يتأخر الآخرون لمُددٍ طويلة، يتأخرون اثنائها عن التواصل مع عائلاتهم الأوسع، والقيام بواجباتهم الاجتماعية، بالرُغم من أن أماكن سفرهم لا تبعد إلا دقائق قليلة عن أماكن استقرارهم في إقليم كُردستان.

تتكثف الحالة المأسوية في حالة المرضى وتنقل المتزوجين و”العُشاق”، فسُلطة الإدارة الذاتية لا تُراعي الشرطين الأخيرين، بينما تمرر المرضى بعد تدقيقٍ مُشدد في أوراقهم الثبوتية.

***

بالرُغم من كُل تلك المُنغصات، إلا أن السوريين الذين يتنقلون على طرفي الحدود يخشون حالياً من إمكانية فُقدانهم لما هو مُتاحٌ لهم حالياً. إذ يستشعرون خطرين داهمين:  إذا سيطرت ميليشيات الحشد الشعبي على تلك المنطقة الحدودية، بعدما صاروا على قُرابة عشرين كيلومتراً.  كذلك يخشى الكُرد السوريون أن تفرض الحكومة المركزية العراقية إغلاق ذلك المعبر غير النِظامي على سُلطة إقليم كُردستان، وأن تتمنع السُلطات السورية بالمقابل عن فتح معبرٍ نِظامي.

   فيما لو حدث ذلك، فإن ملايين المواطنين الأكراد لن يكون لهم أي اتصال مع العالم الخارجي إلا عبر المنافذ التي يتحكم بها النِظام السوري، وبذا فأنهم سيعودون للخضوع لشروط العبور منها، وحيث يجب ألا يكونوا مطلوبين للأجهزة الأمنية التابعة للنِظام، وأن يكونوا من المؤدين لخدمة العلم، وهو ما لم يفعله مئات الآلاف من الكُرد السوريين طوال السنوات الست الماضية.